فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 281

وعليه، فثمة علاقة جدلية أو علاقة تأثر وتأثير بين الفكر والواقع، بين الوعي والمادة، بين البنى الفوقية والبنى التحتية.

أضف إلى ذلك أن المادة عند ماركس ليست ساكنة، بل متحركة وديناميكية، وفي حركة دائمة. وهذه الحركات أنواع: حركة ميكانيكية (في المكان) ، وحركة فيزيائية (داخل المادة نفسها) ، وحركة كيماوية (تفاعلات) ، وحركة بيولوجية (حركة الأعضاء) ، وحركة اجتماعية (العلاقات الاجتماعية وتطور المجتمع والتاريخ) ... وتنتج هذه الحركات عن التناقضات الجدلية الداخلية والخارجية، والتناقضات الكمية والكيفية.

وعليه، فقد تبنى ماركس المادية التاريخية ذات الأساس الجدلي. وهي نظرية وفلسفة ومنهجية وممارسة علمية وعملية. ومن ثم، ترفض الماركسية الجدلية ميكانيكية فيورباخ، ومثالية هيجل، والفلسفة الوضعية التي تبوئ العلم مكانة كبرى. في حين، ترى العالم قائما على الصراع الجدلي، أساسه التناقضات الداخلية والخارجية، والتناقضات الكمية والكيفية. ويعني هذا إذا كانت الوضعية تقول بالنظام والتوازن والتكامل، فإن جدلية ماركس تقول بالصراع والتناقض الديالكتيكي. ومن ثم، فليست الحقائق مطلقة أو نهائية، بل هي تحليل ملموس لموقف ملموس. علاوة على ذلك، فالماركسية، إلى جانب كونها فلسفة ومنهجية، فهي عمل وممارسة، أو كما يقول لينين دليل للعمل. وبهذا، يكون الباركسيس أو العمل أو الممارسة أفضل بكثير من النظريات المجردة. إذًا، فالعملي أكثر أهمية من النظري. ويؤكد ماوتسي تونغ هذه الفكرة بقوله:"إن ممارسة الإنسان هي وحدها مقياس الحقيقة. لأن المعرفة الإنسانية لاتثبت صحتها إلا حين يتوصل الإنسان إلى النتائج المقدرة سلفا بواسطة عملية الممارسة، إن عملية المعرفة تبدأ بالممارسة وتبلغ المستوى النظري بواسطة الممارسة، ومن ثمة ينبغي لها أن ترجع إلى الممارسة ... إن مشكلة معرفة ما إذا كانت النظرية صحيحة، متفقة مع الحقائق الموضوعية، لاتحل تماما إلا بإعادة توجيه المعرفة العقلية إلى الممارسة الاجتماعية، وتطبيق النظرية على الممارسة للتحقق مما إذا كانت تستطيع أن تحقق النتائج المرتقبة ... [1] "

(1) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت