ويعني هذا أن ثمة بطلا إشكاليا يتردد بين الذات والواقع، يحمل قيما أصيلة، لكنه يفشل في تحقيقها في الواقع المنحط. لذلك، يصبح هذا البطل مثاليا وشخصية غير منجزة، عندما ينهزم أمام شراسة الواقع؛ ويكون رومانسيا عندما يكون وعيه الذاتي أكبر من الواقع؛ ويكون بطلا متصالحا مع الواقع الموضوعي، عندما يفرض عليه الواقع الشرس منطق التكيف والتأقلم لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.
ومن هنا، تملك كل شخصية في الرواية وعيا معينا، فقد يكون وعيا واهما وزائفا وخادعا، أو وعيا واقعيا عاديا وطبيعيا، أو وعيا استشرافيا ممكنا. ومن ثم، لابد على الباحث السوسيولوجي أن يحلل الرواية في ضوء عملية الفهم (Comprehension) ، باستيعاب دلالات النص أو العمل بشكل كلي، دون إضافة أي شيء، ثم تحديد البنية الذهنية أو المقولة الفلسفية التي تحيط بكل جوانب النص. وبعد ذلك، تفسر تلك البنية الدالة في ضوء بنية أوسع ترتبط بالتفسير (Explication) ، بالانفتاح على ماهو سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وتاريخي، وثقافي. وبعد ذلك، يحدد الدارس نوع الوعي، ويرصد طبيعة رؤية العالم المهيمنة في النص.
ومن جهة أخرى، فقد تناول كولدمان، في الكتاب نفسه، الرواية الفرنسية الجديدة كما عند آلان روب غرييه (Grillet) ، وريكاردو (Ricardou) ، وناتالي ساروت (Sarraute) ، وميشيل بوتور (Boutour) ، وكلود سيمون (C.Simon) ... باحثا عن مدى تماثلها مع الواقع المادي، منطلقا من فرضية أساسية ألا وهي أن الرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا إبان الخمسينيات، عن دار منتصف الليل - Minuit- ليست مجرد رواية أشياء شكلية، بل تحمل في طياتها حمولات واقعية وسوسيولوجية.
وهكذا، يتبحر كولدمان في فضاء الرواية الجديدة منطلقا من سوسيولوجيا الأشكال؛ حيث يعد الرواية مجرد سعي زائف، يقوم به البطل لتحقيق قيم أصيلة، في مجتمع زائف ومنحط. وبالتالي، تجمع الرواية بين سمتين من سمات التراجيديا والملحمة. فالملحمة هي تلاحم كلي بين البطل والعالم الموضوعي، بينما التراجيديا هي انفصال تام بين البطل الزائف. أما الرواية، فهي تعبير عن صراع بين عالمين: عالم القيم الخفية، والعالم الزائف (الظاهر) . ويسمى البطل الذي