فهرس الكتاب
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميه رحمه الله تعالى، في الكلام على قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها".
في هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام، يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود.
ومعلوم: أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه، وهذا تشديد عظيم، في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهي أيضًا عما يُشبه ذلك، وإن لم يقصد به ذلك.
وفي هذا الحديث أيضًا: نهي عما يُشبه فعل فارس والروم، وإن كانت نيتنا غير نيتهم، لقوله:"فلا تفعلوا"فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟! انتهى.
وقال النووي، فيه: النهي عن قيام الغلمان، والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة؛ وأما القيام للداخل، إذا كان من أهل الفضل والخير، فليس من هذا، بل هو جائز، قد جاءت به أحاديث، وأطبق عليه السلف والخلف.
قلت: في آخر هذا الكلام نظر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أفضل الخلق وخيرهم، ومع هذا فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا خرج عليهم، وأخبرهم: أن ذلك من فعل الأعاجم يُعظم
بعضهم بعضًا.
وقال أنس - رضي الله عنه: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك.
ولما قام ابن عامر لمعاوية - رضي الله عنه - لما خرج عليهم، أمره أن يجلس، وحدثهم بما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من التشديد في ذلك.
وهذه أحاديث صحيحة، فيجب العمل بها؛ ومن قال: إنها محمولة على القيام على الملوك وهم قعود، وما أشبه ذلك فقد أبعد النجعة، وخالف ما دلت