فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 389

وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} سورة المؤمنون: (60) . قال ابن كثير في تفسيرها: [روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال - صلى الله عليه وسلم:"لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل". وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من طريق مالك بن مِغْوَل به نحوه قال"لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم» أ ـ هـ] . فهؤلاء الموصوفون يخشون ألا تقبل أعمالهم لسببين:"

الأول: أن (الأعمال بالخواتيم) وهم لا يدرون بم سوف يختم لهم.

الثاني: أنه وإن ختم لهم بخير فإنهم لا يدرون هل سيقبل الله عملهم أم لا؟ فإن العمل قد يكون ظاهره الخير والتمام، إلا أن هناك عِلَّة خفية تمنع قبوله عند الله كالرياء والعجب والمن والأذى وأكل الحرام، وغيرها. وإن خلص العمل من علل عدم القبول فالأمر بعد ذلك موقوف على رحمة الله تعالى للعبد، كما قال - صلى الله عليه وسلم:"لن ينجو أحد منكم بعمله"رواه مسلم عن أبي هريرة. وقال - صلى الله عليه وسلم:"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ"رواه البخاري عن عائشة. وقال ابن حجر: [وأن الجنة لا يدخلها أحد بعمله بل برحمة الله ـ إلى قوله ـ وقال ابن الجوزي: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول: أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة، الثاني: أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم الله عليه من الجزاء فهو من فضله، الثالث: جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال، الرابع: أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفذ، فالإنعام الذي لا ينفذ في جزاء ما ينفذ بالفضل لا بقابلة الأعمال. أ ـ هـ] (فتح الباري) ج 11 ص 295 ـ 296.

المقصد من هذا: أن المسلم القاصد للجهاد في سبيل الله، عليه أن يحرص أشد الحرص على ألا يفسد ثواب جهاده بأي شيء من الأعمال الظاهرة أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت