وقد يظن البعض أنه لم يكن المسلمون بلا خليفة إلا في زماننا هذا، وهذا خطأ، بل قد مرت على المسلمين أزمنة لم يكن لهم فيها خليفة، ومن أشهر تلك الأزمنة السنوات الثلاث من 656 هـ (وفيها قَتَلَ التتار الخليفة العباس المستعصم ببغداد) إلى 659 هـ (وفيها بويع أول خليفة عباسي بمصر) البداية والنهاية 13/ 231، ورغم انعدام الإمام إذ ذاك فقد خاض المسلمون معركة هي من مفاخر المسلمين إلى اليوم وهي معركة عين جالوت ضد التتار في 658 هـ، حدث هذا في توافر أكابر العلماء كعز الدين بن عبد السلام وغيره ـ ولم يقل أحد كيف نجاهد وليس لنا خليفة؟، بل إن قائد المسلمين في هذه المعركة (سيف الدين قطز) كان قد نَصَبَ نفسه بنفسه سلطانا على مصر بعد أن عزل ابن أستاذه من السلطنة لكونه صبيا صغيرا، ورضي بذلك القضاة والعلماء وبايعوا قطزا سلطانا، وعَدَّ ابن كثير فعل قطز هذا نعمة من الله على المسلمين إذ ـ به ـ كسرَ الله شوكةَ التتار (البداية والنهاية 13/ 216) ، كما عد ابن تيمية هذه الطوائف التي قاتلت التتار في تلك الأزمنة من الطائفة المنصورة، فقال (أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام وهم من أحق الناس دخولا في الطائفة المنصورة) مجموع الفتاوى 28/ 531.
وهذه القصة، من سيرة السلف الصالح فيها رد على شبهة (لا جهاد بلا إمام) بالإضافة إلى الأدلة النَّصَّية وهي حديث غزوة مؤتة وحديث عبادة بن الصامت فيما إذا كفر الإمام.
وهذه الشبهات سنة قدرية كانت ومازالت ولن تزال طالما وُجِدت طائفة مجاهدة قائمة بأمر الله ـ وهي باقية إلى نزول عيسى عليه السلام ـ قال - صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس"متفق عليه، وقال تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} سورة المائدة: (54) .
وقد بشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المجاهدين بالظهور بأن المخذلين والمخالفين لن يضروهم، وإنما هي فتن تتميز بها الصفوف.