فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 389

قلت: ولا تناقض بين ما سبق وبين قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} سورة البقرة: (256) ، فالقتال واجب حتى تكون كلمة الله هي العليا ولا يتأتى ذلك إلا بغلبة المسلمين لعدوهم وعلو أحكام الإسلام على البلاد المفتوحة، أم عن أهل هذه البلاد فمن أسلم فيها ونعمت، ومن استمر على كفره فلا يُكره على اعتناق الإسلام، بل يبقى على كفره ولكن تحت حكم المسلمين، فالإكراه المنفي في سورة البقرة {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} هو الإكراه على الإيمان، أما الكراهة المثبتة في آية التوبة {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} فهي كراهيتهم لعلو حكم الإسلام عليهم مع بقائهم على دينهم.

وقد تقرر في الشريعة قَبول الجزية من أهل الكتاب ومَنْ في حكمهم {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} ولا يكرهون على الإسلام، أما عَبَدَة الأوثان ففي قبول الجزية منهم خلاف وراجع تفسير {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في تفسير ابن كثير.

قلت: وينبغي أن يعلم المسلم أن الإيمان يكون جهاد الطلب واجبا على المسلمين معناه مصادمة القوانين الدولية المعاصرة التي تحرم اعتداء الدول بعضها على بعض وتمنع امتلاك أراضي الأرض الغير بالقوة، هذه القوانين التي يتحايل عليها الأقوياء الذين وضعوها. ولكن قال الله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} سورة المائدة: (44) وقال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ} سورة الحج: (40) ، وهذه الأحكام كلها منوطة بالقدرة والاستطاعة.

وهذه الاستطاعة يجب تحصيلها حين العجز لتحقيق هذه الواجبات، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} سورة الأنفال: (60) .

ولا يمنع المسلمين من الجهاد إلا العجز، ويجب الإعداد حينئذ:

وذلك لقوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} سورة محمد: (35) ، فما دامت بالمسلمين قوة وكانوا أعلى من عدوهم فلا سِلْم ولا هدنة ولا صلح، بل القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وذلك لأن آخر ما نزل في الجهاد هو قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت