الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة التوبة: (5) ، فهذه الآية وآية الجزية بنفس الصورة أمر بالقتال العام، وهو من أواخر ما أنزل من القرآن، فلا ناسخ له، روى البخاري عن البراء - رضي الله عنه - قال: (آخر سورة نزلت براءة) حديث: 4654.
وهكذا فَعَل النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده في قتال المشركين وأهل الكتاب كما يأتي في الفقرة (13) [1] ، ولا يمنع من هذا إلا العجز ولذلك ترى الكافرين يجتهدون في منع المسلمين من حيازة السلام، كما قال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} سورة النساء: (102) . وقد كررت في هذه الرسالة أنه إذا منع من الجهاد عجزٌ وَجَب الاستعداد، للآية {وَأَعِدُّوا لَهُمْ} ، وهكذا قال ابن تيمية رحمه الله (مجموع الفتاوى 28/ 259) .
مما سبق تعلم أن الأصل في العلاقة بين المسلمين والكافرين هو القتال وأن الإستثناء منه هو السلم في صورة هدنة أو صلح وأنه لا يلجأ إلى هذا الاستثناء إلا لضرورة من عجز ونحوه، وذلك لقوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} سورة محمد: (35) .
أما الآية المحتج بها فلا حجة فيها إذ إنها محمولة على جواز المسالمة بشرط حاجة المسلمين لذلك وهذا الشرط تبينه الآية الأولى {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} سورة محمد: (35) ، فآية الأنفال تختص بحال وهو كون المسالمة في مصلحة المسلمين ويحتاجون إليها، أما آية سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - فهي تختص بحال آخر وهو كون المسالمة ليست في مصلحة المسلمين وذلك عندما تكون بهم قوة يقهرون بها عدوهم فإنه لا توجد المسالمة حينئذ لهذه الآية ولأن في هذا عدول عن الأصل المطلوب وهو إظهار دين الإسلام على ماعداه، لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} سورة الأنفال: (39) ، وقوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} سورة التوبة: (33) ، هذا هو الأصل المقصود: إظهار الإسلام بقتال المشركين فإما أن يسلموا ويعودوا إلى العبودية لله رب العالمين، وإما أن يظلوا على كفرهم مؤدين الجزية
(1) انظر إلى أصل الكتاب (العمدة في إعداد العدة) .