وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار. فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تُشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شُرِع ذلك.
ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورا بالمخالفة في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والإطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصَّغار والجزية ففيها شُرعت المخالفة. وإذا ظهر أن الموافقة والمخالفة لهم تختلف باختلاف الزمان والمكان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا] أهـ (اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية تحقيق د/ ناصر العقل ط 1404 هـ ج 1 ص 418 ـ 419) .
قلت: هذا بما يتعلق بالسرية في الإسلام مؤيدا بالأدلة الشرعية، ومنه تعلم خطأ من يقول إن الإسلام لا يقر العمل السري، فمما يؤسف له أن بعض من يَتَصَدون للدعوة الإسلامية ينكرون على غيرهم الأخذ بالسرية، وهذا الإنكار يدل على أن الإعداد للجهاد في سبيل الله لم يخطر ببال هؤلاء المنكرين، وإلا لعلموا معنى السرية. فتأمل هذا. قال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} سورة التوبة: (46) ، وهذا آخر ما نذكره في فقرة (الحرب خدعة) .
ويمكن أيضا صياغة هذه الفقرة هكذا (والمقصد الأصلي للجهاد هو إظهار الدين لا الاستشهاد) .