قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ: «يَا قَوْمُ: عَرَفْتُ الكِهَانَةَ والشِّعْرَ والسِّحْرَ، وما هو بِشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهَانَةٍ» .
قوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} :أَخْبَرَأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ - سبحانه - وهذا هو الحَقِيقَةُ؛ القُرْآَنُ كَلامُ اللهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، بِخِلافِ الكهَّان؛ تنزيل الشَّياطين.
والبرهان على أنَّه تَنْزِيلُ رَبِّ العالمين أنَّه لو تقوَّل على الله تعالى {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} لَمَا أَمْهَلْنَاهُ، ولأهلكناه بِسُرْعَةٍ، وَلَمَا أَقَرَّهُ اللهُ على ذلك، وَلَعَاجَلَهُ بالعقوبة.
ويؤكِّدُ ذلك: أَيْنَ الكَذِبَةُ مِمَّنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ؟ أين هم، وأين آثارُهم وأَتْبَاعُهُم؟ انقطعوا.
أمَّا محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورسالتُه والقرآنُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ، وهذا دَلِيلٌ على أنَّه مِنْ عِنْدِ الله، تَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهِ وَبَقَائِهِ.
{لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} : أي يَمِينَ الأَخْذِ، أَوْ يَمِينَ المَأْخُوذِ، وكلاهما عن شدَّة وقوَّةٍ.
-فائدة: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} فيها تَهْدِيدٌ لِمَنْ يَتَجَرَّأُ على الفُتْيَا بغير علمٍ؛ {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّالَّذِينَيَفْتَرُونَعَلَااللَّهِالْكَذِبَلَايُفْلِحُونَ} .
قوله: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} :عِرْقٌ مُتَّصِلٌ أو مُعَلَّقٌ بالقَلْبِ، إذا قُطِعَ، مَاتَ القَلْبُ؛ فلو تقوَّل نبيُّنا محمَّدٌ-وحاشاه - لبادر اللهُ بإهلاكه، وَلَمْ يُمْهِلْهُ، ولأَهْلَكَهُ هَلاكًا فيه عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِ.
انظروا إلى من ادَّعى النُّبوَّةَ، أهلكه اللهُ، ورسالة نبيِّنا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لازالت مستمرَّةً وخالدةً.
وهذا يدلُّ على صِدْقِهِ؛ {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْكَفَابِاللَّهِشَهِيدًابَيْنِيوَبَيْنَكُمْ} .
والمُرَادُبشهادةُ أهل الكتاب هم مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ؛ أمَّا المحرِّفون والمخرِّفون من الكفرة والكَذَبَةِ، فلا عِبْرَةَ بهم.
لذلك لمَّا ذهبت خديجةُ إلى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فأخبرته بما جرى للنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في غَارِ حِرَاءٍ، وكيف جَاءَهُ جبريلُ - عليه السَّلامُ - كما أخبرها الرَّسولُ- صلَّى الله عليه وسلَّم -قال وَرَقَةُ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، والَّذِي نفسُ ورقة بيده إِنْ كُنْتَ أصدقتِني يا خديجة، لقد جاءه النَّاموسُ الأكبرُ الَّذي كان يأتي لموسى، وإنَّه لنبيُّ هذه الأمَّة، فقولي له: فليثبت ... أصله عند البخاري و مسلم.
فَرَجَعَتْ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبرته بقول ورقة.
وشهد النَّجاشيُّ للنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا قَرَأَ عليه جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ، فقال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والَّذي جاء به عيسى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
قوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} :أي لَوْأَرَدْنَا أَخْذَهُ أو عُقُوبَتَهُ فما أَحَدٌ يَمْنَعُهُ من الله، ولا يحجزه منَّاأَحَدٌ.
قوله: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} : أي هذا القرآنُ تَذْكِرَةٌ وَعِظَةٌ لِمَنْ كان له قَلْبٌ حَيٌّ، أو أَلْقَى السَّمْعَ؛ فهو يذكِّر بالحقِّ وبالبعث والنُّشور.
كلامُ الله نُورٌ، وَتَذْكِرَةٌ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ صدَّق به؛ فالقُرْآَنُ تَذْكِرَةٌيتذكَّر به المتَّقي، تَذْكِرَةٌو حُجَّةٌ للعَالَمِينَ، وَمَنْفَعَةٌ وهدايةٌ للمتعلِّمين.
قوله: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ} :أي مكذِّبين بالقرآن رغم كَثْرَةِ الشَّواهد على أنَّه حَقٌّ.
قوله: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} :أَخْبَرَ -سبحانه -أنَّ رَسُولَهُ وكلامَهحَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ لِمَنْ كَذَّبَ به يَوْمَ القِيَامَةِ؛ إذا عَايَنُوا حَقِيقَةَ ما أَخْبَرَ به، فقد كان تَكْذِيبُهُمْ مِنْأَعْظَمِ الحسرات؛ {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ} .
فإذا رَأَوُا القِيَامَةَ، وَحَقِيقَةَ ما جاء به القرآنُ، تَحَسَّرُوا.
قوله: {لَحَقُّ الْيَقِينِ} :أَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ -أنَّ القُرْآَنَ والرَّسُولَحَقُّ اليقين؛ وهي من باب إضافة الجِنْسِإلى نَوْعِهِ؛ أَيْ: لاشَكَّ فيه.