وقد ثَبَتَ في «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُودَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إلى اللهِ صِيَامُ دَاوودَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» .
قال ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِصَوْمِ دَاوُودَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا، وكان شجاعًا لا يَفِرُّ إذا لاقى، وكان يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا» .
وَكَثُرَتْ عند آل داوود العبادةُ وأنواعُ القُرُبَاتِ، حتَّى إنَّه كان لا يُمْضِي ساعةً من آناء اللَّيل وأطراف النَّهار إلاَّ وَأَهْلُ بيته في عبادةٍ ليلًا ونهارًا، كما قال تعالى: {اعْمَلُواآلَدَاوُودَشُكْرًا وَقَلِيلٌمِّنْعِبَادِيَالشَّكُورُ} .
{وَظَنَّدَاوُودُأَنَّمَافَتَنَّاهُ} أي: اختبرناه. أَيْقَنَ داوودُ أنَّنا فَتَنَّاهُ بِهَذِهِ الخُصُومَةِ.
أمَّا مَنْ فَسَّرَهَا بمحبَّة تلك المرأة، فهذا باطلٌ، وليس صحيحًا، وتكلَّفوا في تفسير النَّعْجَةِ بأنَّها المَرْأَةُ. وَكُلُّهُ بَاطِلٌ.
وكلُّ ما في الأَمْرِ أنَّ دَاوُودَ كَانَ خَلِيفَةً وَحَاكِمًا، وَمِنْ كَثْرَةِ تَعَبُّدِهِ نَسِيَأَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وهو مأمورٌ بالحكم بين النَّاس، فأغلق بابه ودخل محرابَه، وهذا يخالف مقتضى الوظيفة، ومقتضاها التَّفرُّغُ للنَّاس حتَّى يقابلَ الخُصُومَ وَيَحْكُمَ بينهم.
فاللهُ - سبحانه - ابْتَلَاهُ بالخَصْمَيْنِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا دُونَ أن يَسْمَعَ دِفَاعَ الخَصْمِ مِنْأَجْلِ أن يتفرَّغ للعبادة.
{يَادَاوُودُإِنَّاجَعَلْنَاكَخَلِيفَةًفِيالْأَرْضِفَاحْكُمبَيْنَالنَّاسِبِالْحَقِّ} هذا التَّعْقِيبُ يدلُّ على أنَّ الأَمْرَ متعلِّقٌ بمسألة الحكم.
قال في «الظِّلال» : «والتَّعْقِيبُ القُرْآَنِيُّ الَّذي جاء بعد القصَّة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة؛ ويحدد التَّوْجِيهَ المقصودَ بها من اللهِ لِعَبْدِهِ الَّذي ولاَّه القضاءَ والحكمَ بين النَّاس ...
ومن رعاية اللهِ لِعَبْدِهِ دَاوُودَ أنَّه نَبَّهَهُ عِنْدَ أوَّلِ لَفْتَةٍ، وردَّه عند أوَّلِ اندفاعةٍ، وحذَّره النِّهايةَ البعيدة».
عن أبي هريرة، أنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «كَانَ دَاوودُ - عليه السَّلامُ - فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ أَغْلَقَ الأَبْوَابَ، فَلَمْ يُدْخِلْ عَلَى أَهْلِهِ أَحَدًا حَتَّى يَرْجِعَ» .
قال: «فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَغُلِّقَتِ الدَّارُ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطَّلِعُ إِلَى الدَّارِ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ، فَقَالَتْ لِمَنْ فِي البَيْتِ: مِنْ أَيْنَ دَخَلَ هَذَا الرَّجُلُ وَالدَّارُ مُغْلَقَةٌ؟ وَاللهِ لَنَفْتَضِحَنَّ بِدَاوُودَ.
فَجَاءَ دَاوُودُ فَإِذَا الرَّجُلُ قَائِمٌ فِي وَسَطِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ دَاوُودُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي لَا أَهَابُ المُلُوكَ وَلَا أُمْنَعُ مِنَ الحِجَابِ. فَقَالَ دَاوُودُ: أَنْتَ وَاللهِ إِذًا مَلَكُ المَوْتِ، مَرْحَبًا بِأَمْرِ اللهِ. ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى قُبِضَتْ رُوحُهُ». رواه أحمد و الهيثمي.
{وَشَدَدْنَامُلْكَهُوَآتَيْنَاهُالْحِكْمَةَوَفَصْلَالْخِطَابِ} أَيْ: أَعْطَيْنَاهُ مُلْكًا عَظِيمًا وَحُكْمًا نَافِذًا.
قوَّيْنَا لَهُ مُلْكَهُ بِالهَيْبَةِ والقوَّة والنَّصْرِ، وآتيناه النُّبوَّةَ، والفصل في الكلامِ والحُكْمِ.
-الفوائد والعبر والعظات:
1 -قصَّة نبيِّ الله داوود - عليه السلام - تقوم على قوله تعالى: {وَاذْكُرْعَبْدَنَادَاوُودَذَاالْأَيْدِ} أَيْ أَنَّ دَاوودَ قَوِيٌّ في العبادة؛ فأحبُّ الصَّلاةِ صَلَاتُهُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ صِيَامُهُ، وأحبُّ الكَسْبِ كَسْبُهُ.
كما في قوله: {أُولِيالْأَيْدِيوَالْأَبْصَارِ} أُولِي القوَّة والعبادة. والأبصارُ: الفقهُ في دين الله.
2 -إنَّ اللهَ يُحِبُّ القوَّةَ في الطَّاعة؛ سواءٌ في القلب والبدن. «المُؤْمِنُ القَوِيُّأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» . رواه مسلم.
مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ أَنْ يَرْزُقَ اللهُ العَبْدَ الحِكْمَةَ، فهو يقضي بها ويعلِّمها النَّاسَ. وقد ذكرنا قصة داود في سورة ص في الحكم بين الخصمين
3 -إنَّ الشَّراكةَ والخِلْطَةَ مع الأقارب والأصحاب موجبةٌ للبغي والطُّغيان.