فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 581

{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إذا توكَّلْتُمْ على الله، واسْتَعَنْتُمْ به، ولَجَأْتُمْ إِلَيْهِ، نَصَرَكُمْ على عدوِّكم، وأَيَّدَكُمْ عليهم وأظفركم بهم.

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} . فصمَّم ملأهم على النُّكول عن الجهاد، وَوَقَعَ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَوَهَنٌ كَبِيرٌ.

قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} .

قال ابنُ عبَّاسٍ: «اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» . {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} عُوقِبُوا على نكولهم بالتِّيه في الأرض، يَسِيرُونَ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ، ليلًا ونهارًا وصباحًا ومساءً.

ويقال: إنَّه لمَّا يخرج أحدٌ من التِّيه ممَّن دخله، بل ماتوا كلُّهم في مدَّة أربعين سنةً، ولم يَبْقَ إلاَّ ذَرَارِيهِمْ سِوَى يوشع وكالبٍ عليهما السَّلام.

وَوَعْدُ اللهُ - عزَّ وجلَّ - بالتَّمْكِينِ في الأرض لبني إسرائيل ليس مرتبطًا بِنَسَبِهِمْ، وإنَّما هو مُرْتَبِطٌ بإسلامهم، فعندما كانوا مسلمين، أَهْلَكَ اللهُ فِرْعَوْنَ وَجُنْدَهُ مِنْ أَجْلِهِمْ، وعندما كفروا بالله صاروا أعداءَ له - سبحانه - أعداءَ لِرُسُلِهِ، ومكَّن اللهُ - عزَّ وجلَّ - منهم المُسْلِمِينَ بِفَضْلِهِ سبحانه وتعالى.

أمَّا نُكُولُ بَنِي إسرائيل عن قتال الجبَّارين، وأنَّ اللهَ - تعالى - عَاقَبَهُمْ بِالتِّيهِ، وَحَكَمَ بأنَّهم لا يخرجون منه إلى أربعين سَنَةً، فما جرى لهم فيه من الأمور العجيبة وَجَرَتْ عليهم خُطُوبٌ أُمُورٌ يطول ذكرها.

-قصَّة بقرة بني إسرائيل:

عَلِمَ اللهُ - سبحانه - بِعِنَادِ وَتَعَنُّتِ وَتَكَبُّرِ بَنِي اسرائيل وَعَدَمِ استجابتهم، فأراد اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ بِذَبْحِ البَقَرَةِ.

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أن اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} .

والمعنى: اذكروا يا بني إسرائيل هذه الحَادِثَةَ وَمَا حَصَلَ فيها من أَمْرٍ خَارِقٍ للعادة.

وَسَبَبُ ذلك أنَّ رَجُلًا من بني اسرائيل كان ثَرِيًّا وعقيمًا، وكان له أَبْنَاءُأَخٍ، فاستبطأ أَحَدُهُمْ مَوْتَهُ، وهو الوَارِثُ له، فقتل عمَّه، وَحَمَلَهُ إلى مكانٍآَخَرَ، وَقَامَ في الصَّباح يصيح بِدَمِهِ وَيُطَالِبُ.

فَهَاجَ النَّاسُ، واستعظموا الأَمْرَ، وَشَقَّ عليهم، ولم يعرفوا قاتلَه، فلمَّا عجزوا عن معرفة قَاتِلِهِ قالوا: نذهب إلى نبيِّ الله موسى - عليه السلام -.

فقالوا له: اسأل ربَّك يبيِّن لنا القاتل. فجاء جبريلُ - عليه السلام - فقال: مُرْهُمْ يَذْبَحُوا بقرةً. وهذه الحادثةُ ليست بسيطةً؛ لأنَّه أعياهم البحثُ عن القاتل {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} يعنون نحن نسألك عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول هذا؟ فقال إذا أردتم معرفة القاتل اذبحوا بقرةً.

أراد الله -تعالى - أن يكشف لهم القَاتِلَ بواسطة معجزةٍ مادِّيَّةٍ محسوسةٍ، فأوحى الله إلى موسى - عليه السَّلامُ - أن يأمرهم بذبح بقرةٍ.

نبيٌّ يأمرهم بأمرٍ يقولون: أتهزأ بنا؟ أتسخر منا؟ هل هذا خطابٌ يليق مع نبيٍّ؟ هذا سوءُأَدَبٍ منهم مع نبيِّهم.

وكانوا أَصْحَابَ سُوءِأَدَبٍ وَجُفَاةً، فما يقولون يا نبيَّ الله، وما يقولون ادْعُ لنا ربَّنا.

قوله تعالى: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} كان السُّؤالُ الأَوَّلُ عن عُمْرِهَا، فقال: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} لا كبيرةٌ ولا صغيرةٌ {عَوَانٌ} أُمِرُوا بذبح بقرةٍ عَوَانٍ: وهي الوَسَطُ بين الفارض؛ وهي الكبيرة، والبكر: وهي الصَّغيرة.

{ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} .

السُّؤالُ الثَّاني لَوْنُهَا، السُّؤَالُ دائمًا اللَّجَاجَةُ تَقُودُ إلى سؤالٍ جديدٍ؛ فالَّذي لا يريد الحقَّ دائمًا يُخْرِجُ لك أسئلةً جَدِيدَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت