أَنْكَرَ على قومه عِبَادَةَ الأوثان وحقَّرها عندهم وصغَّرها وتنقَّصها.
خَرَجَ إبراهيمُ على قومه بدعوته؛ {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أم أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات وَالأرض الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} .
ولمَّا بَيَّنَ أَنَّ أصنامَهم ليس لها من التَّدبير شَيْءٌ، أراد أن يريهم بالفعل عَجْزَهَا وعدم انتصارها، وليكيدَها كيدًا يَحْصُلُ به إقرارُهم بذلك.
فَلِهَذَا قَالَ: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} أي: أَكْسَرُهَا على وَجْهِ الكَيْدِ {بَعْدَ أن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} عنها إلى عِيدٍ من أعيادهم.
وكان لهم عِيدٌ يذهبون إليه في كلِّ عامٍ مَرَّةً إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره فقال: إنِّي سقيمٌ. كما قال تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} .
قال: {إِنِّي سَقِيمٌ} لمَّا دَعَوْهُ للخروج معهم إلى عيدهم، وكانوا يخرجون إلى عيدٍ خارج البلد.
وقبل أن يقول لهم: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجوم، فَقَالَ: {إِنِّي سَقِيمٌ} .
كان هؤلاء القومُ كفَّارًا عُبَّادَ الكواكب والنُّجوم، ويعتقدون أنَّ النُّجومَ لَهَا تَأْثِيرٌ في الحوادث الأرضيَّة، وفي مرض النَّاس، والإنجاب، والرِّزق، فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} .
وذلك أنَّه لم تكن به عِلَّةٌ ولا مَرَضٌ؛ ولكنَّه كان سَقِيمَ النَّفْسِ، اعتلَّت نفسُه من إصرارهم على الشِّرك.
فعرَّض لهم في الكلام حتَّى توصَّل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم، ونصرة دين الله الحقِّ، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، الَّتي تستحقُّ أَنْ تُكْسَرَ، وأن تُهَانَ غَايَةَ الإِهَانَةِ.
فلمَّا خرجوا إلى عيدهم، استقرَّ هو في بَلَدِهِمْ {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ} أي: ذهب إليها مسرعًا مستخفيًا، فوجدها في بَهْوٍ عظيمٍ، وقد وضعوا بين أيديها أنواعًا من الأطعمة قربانًا إليها.
فقال لها على سبيل التَّهكُّم والازدراء: {أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} .
فلمَّا تولَّوا مدبرين، ذهب إليها بِخُفْيَةٍ {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} أي: كَسْرًا وَقِطَعًا، وكانت مجموعةً في بيتٍ واحدٍ، فكسَّرها كلَّها بِقَدُومٍ في يَدِهِ.
{إلا كَبِيرًا لَهُمْ} لَمْ يَقُلْ: «كبيرًا من أصنامهم» أَيْ: تَرَكَ إبراهيمُ تَكْسِيرَ صنمهم هذا لأَجْلِ أن يرجعوا إليه.
قيل: إنَّه وضع القَدُّومَ في يد الكبير، إشارةً إلى أنَّه غَارَ أن تُعْبَدَ معه هذه الصِّغَارُ!
فحين رأوا ما حلَّ بأصنامهم من الإهانة والخزي {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .
تذكَّروا الَّذين سمعوا إنكارَ ابراهيم؛ {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} ؛ أي: يَعِيبُهُمْ وَيَذُمُّهُمْ.
أَحْضَرُوا إبراهيم - عليه السَّلامُ - وَتَجَمَّعَ النَّاسُ، وسألوه، {قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 62] ؛ لأنَّه لم يتخلَّف عن حضور العيد غيرُه.
فلمَّا تحقَّقوا أنَّه إبراهيمُ {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ} أَيْ: بِإِبْرَاهِيمَ {عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} ؛ أَيْ: بِمَرْأى منهم وَمَسْمَعٍ {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} .
وهذا ما يتمنَّاه إبراهيمُ وَيُرِيدُهُ، فقالوا حِينَ حضر النَّاسُ وأُحْضِرَ إبراهيمُ قالوا له: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا} أَيِ: التَّكْسِيرَ {بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} .
فقال إبراهيمُ والنَّاسُ مشاهِدون: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} أي: كسرها غضبًا عليها، لمَّا عُبِدَتْ مَعَهُ.
اسألوا الأصنام المكسَّرة، حتَّى يخبروكم من كَسَرَهَا، {إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] .