فقالوا: ما يَسْتَتِرُ هذا التَّسَتُّرَ إلاَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إمَّا بَرَصٍ أو أدرةٍ، وإمَّا آفةٍ، وإنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - أراد أن يبرِّئَهُ ممَّا قالوا لموسى، فخلا يومًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ على الحجر، ثمَّ اغتسل، فلمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ على ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ.
فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ، وَطَلَبَ الحَجَرَ، فجعل يقول:
ثوبي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حتَّى انتهى إلى ملأٍ من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيَانًا أَحْسَنَ ما خَلَقَ اللهُ، وبرَّأهُ ممَّا يقولون.
وقام الحَجَرُ فأخذ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بالحجر ضربًا بعصاه، فواللهِإنَّ بالحجر لَنَدْبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا.
قال: فذلك قولُه عزَّ وجلّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الاحزاب: 69] .
وفي «الصَّحِيحَيْنِ» من رواية قتادة، عن أنسٍ، عن مالكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، «عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه مرَّ لَيْلَةَ أُسْرِيَ به بموسى في السَّماء السَّادسة، فقال له جبريل: هذا موسى، فسلَّم عليه.
قال: «فَسَلَّمْتُ عليه» .فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والأَخِ الصَّالح. فلمَّا تجاوزتُ بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أَبْكِي لأنَّ غلامًا بُعِثَ بَعْدِي يدخل الجنَّة من أمَّته أكثر ممَّا يدخلها من أمَّتي.
واتَّفقت الرِّواياتُ كلُّها على أنَّ الله- تعالى - لمَّا فَرَضَ على محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأمَّتِهِ خَمْسِينَ صَلَاةً في اليوم واللَّيلة، فمرَّ بموسى قال: ارجع إلى ربِّك فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأمَّتِكَ، فإنِّي قد عالجتُ بني إسرائيل قَبْلَكَ أشدَّ المعالجة، وإنَّ أمَّتَكَ أضعفُ أَسْمَاعًا وأبصارًا وأفئدةً.
فَلَمْ يَزَلْ يتردَّد بين موسى، وبين الله - عزَّ وجلَّ - ويخفِّف عنه في كلِّ مرَّةٍ، حتَّى صارت إلى خَمْسِ صَلَوَاتٍ في اليوم واللَّيلة.
وقال الله تعالى: «هي خَمْسٌ، وهي خمسون» ، أي: بالمضاعَفة، فجزى الله عنَّا محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - خيرًا، وجزى الله عنَّا موسى - عليه السَّلامُ - خيرًا.
وعن ابن عبَّاسٍ قال: خرج علينا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا فقال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ» . هكذا روى البخاريُّ.
عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَرَّ بوادي الأزرق فقال: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» .قالوا: وَادِي الأَزْرَقِ. قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى وَهُوَ هَابِطٌ مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ - عزَّ وجلَّ - بِالتَّلْبِيَةِ» . رواه مسلم.
وبالجُمْلَةِ فشريعة موسى - عليه السَّلامُ - كانت عظيمةً، وأمَّتُه كانت أمَّةً كثيرةً، ووجد فيها أنبياء، وعلماء، وعبَّادٌ، وزهَّادٌ، وملوكٌ، وأمراءُ، وساداتٌ، وَكُبَرَاءُ، لكنَّهم كانوا فَبَادُوا، وتبدَّلوا كما بدِّلت شريعتُهم، ومُسِخُوا قردةً وخنازيرَ، ثمَّ نُسِخَتْ بَعْدَ كلِّ حسابٍ مِلَّتُهُمْ.
ثَبَتَ عند البخاريِّ في «الصَّحيح» عن أبي هريرة قال: أُرْسِلَ ملكُ الموت إلى موسى - عليه السَّلامُ - فلمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إلى ربِّه - عزَّ وجلَّ - فقال: أرسلتَني إلى عبدٍ لا يريد الموتَ.
قال: ارْجِعْ إليه فقل له يضع يده على مَتْنِ ثَوْرٍ، فله بما غَطَّتْ يَدُهُ بكلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قال: أي ربِّ ثمَّ ماذا؟ قال: ثمَّ الموت. قال: فالآن.
قال: فَسَأَلَ اللهَ - عزَّ وجلَّ - أَنْ يُدْنِيهِ مِنَ الأرض المقدَّسة رَمْيَةً بِحَجَرٍ».