فرصدوا النَّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ المَاءِ، وقد كَمَنَ لها قُدَّارٌ في أَصْلِ صَخْرَةٍ على طريقها، وَكَمَنَ لها مصدعٌ في أَصْلِ أُخْرَى، فنادوا صاحبَهم فتعاطى -أي تناول الشَّيْءَ بيده بتكلُّفٍ - وتجرَّأ على قتلها؛ {اِذْ انْبَعَثَ اشْقَاهَا} .
فَقَتَلُوا النَّاقَةَ الَّتي جَعَلَهَا اللهُ عليهم حُجَّةً، وحذَّرهم ألاَّ يَمَسُّوهَا بِسُوءٍ، فيأخذهم عَذَابٌأَلِيمٌ.
فَزَيَّنَ لهم الشَّيْطَانُ قَتْلَهَا، فلمَّا قَتَلُوهَا و رآها صَالِحٌمَقْتُولَةً بَكَى وَقَالَ: {قَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} .
فَتَوَاعَدَ تِسْعَةُ رَهْطٍ على قَتْلِ صَالِحٍ، وَأَنْ يُلْحِقُوهُ بالنَّاقَةِ. قالوا: نقتله، ثمَّ نُنْكِرُ قَتْلَهُ. فأرسل اللهُ على النَّفَرِ التِّسْعَةِ صَخْرَةً رَضَخَتْهُمْ؛ تَعْجِيلًا بهلاكهم قبل قومهم.
وأمَّا بَقِيَّةُ القوم وقد قتلوا النَّاقَةَ يَوْمَ الأربعاء، فما جاء يَوْم الخَمِيسِ إلا وُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ، والجُمُعَةِ مُحْمَرَّةٌ والسَّبْتَ اسْوَدَّتْ وجوهُهم، ومع شُرُوقِ شَمْسِ يَوْمِ الأَحَدِ جَاءَهُمُ العَذَابُ صَيْحَةً من السَّماء، وَرَجْفَةً شَدِيدَةً من الأرض.
وَوَصَفَ اللهُ عَذَابَهُمْ بِخَمْسٍ؛ {فَجَاءَهُمُ العَذَابُ} ، {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} و {الرَّجْفَةُ} و {أُهْلِكُوابِالطَّاغِيَةِ} و {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} .
فأخذتهمالصَّيْحَةُ ولم يَبْقَ مِنْهُمْأَحَدٌ إلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ كان بالحرم، فدفع اللهُ عنه، فلمَّا خرج من الحرم أصابه ما أصاب قَوْمَهُ.
قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «أَبُو رُغَالٍ» .رواه أحمد و ابن حبان و الحاكم. فَدُفِنَ في المكان.
وآيَةُ ذلك أنَّه دُفِنَ وَمَعَهُ غُصْنُ ذَهَبٍ. {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا} .
فكان عذابُهم مع الشِّرْكِ عَقْرُ النَّاقَة الَّتي جعلها اللهُ لهم آيةً. لذلك قيل: «إنَّ تَخْصِيصَهُمْ بالذِّكْرِ في سورة الشَّمس لم يكن في الأمم أخفُّ ذَنْبًا وَعَذَابًا منهم» . وقيل: «ذُكِرُوا لأنَّهم ردُّوا الهدى بعدما تيقَّنوه، وكانوا مستبصرين، فاختاروا العَمَى على الهُدَى، لذلك فيه تَحْذِيرٌ لِكُلِّ مَنْ عَرَفَ الحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ. وهذا دَاءُأَكْثَرِ الهالكين» .
1 -اهتمَّ قوم ثمودٍ بإقناع النَّاس حينما همُّوا بقتل صالح، ولم يهتمُّوا بمراقبة الله وعقوبته وعذابه؛ لأنَّه إذا ذهب الإيمانُ، رَاقِبالإنسانُ النَّاسَ ولم يراقب الله.
2 -عناية الله بالمؤمنين، ونجاة صالحٍ والَّذين آمنوا معه.
3 -أعظمُ جُرْمٍ الشِّرْكُ و منه تنبع جميع المعاصي، فلمَّا كفروا استسهلوا جميع المعاصي.
قومُ صَالِحٍ ظَنُّوا أنَّ حصونَهم مانعتُهم من الأذى وغيرها فجاءتهمصيحةٌ أفاضت أرواحَهم وأزهقت أنفسَهم وهم كافرون.
4 -الكِبْرُ يمنع الإنسانَ من الهداية وقبول الحقِّ.
5 -النِّعَمُ سببٌ في الأشر، والبَطَرِ، وذهاب التَّقْوَى، وتسلُّط الشَّيطان.
6 -سبب هلاكهم كراهيتُهم للنُّصح وبغضُهم للنَّاصحين، وإذا وجدها الإنسانُ في نفسه، فهذا عَلامَةُ هَلاكِهِ.
{فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ولكنلَّاتُحِبُّونَالنَّاصِحِينَ} .
(7) - أنَّ كفَّارقريشٍ طلبوامعجزاتمثلالأممالسابقة فقالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} فقال الله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ؛ لأنَّ مُعْجِزَةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالدةٌ، وللنَّاس عامَّةٌ، ولم يُبعث لمن حضر، بل للأمم كلِّها.