فهرس الكتاب
وهذا الاستفهامُ للتَّقرير يقرِّر اللهُ - عزَّ وجلَّ - أنَّه أَحْكَمُ الحاكمين.
ومن ينكر البعث ينكر حكمةَ الله، واللهُ - تعالى- حَكِيمٌ، ولا يليق بحكمته أَنْ يَتْرُكَ العبادَ يَعْمَلُونَ الخير والشَّرَّ بدون حسابٍ.
ولا يليق بحكمته أن يترك الخَلْقَ ينتهون نهايةً واحدةً بدون حسابٍ، وبدون ما يؤمرون، ولا ينهون، ولا يثابون، ولا يعاقبون.
وحكمُه بين عباده في الدُّنيا بشرعه، وأمره، ونهيه. قال الشَّافعيُّ عند قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} «أَيْ: لايُؤْمَرُ، ولا يُنْهَى» .
وقال غيرُه: «لايُجْزَى بالخير والشَّرِّ، ولا يُثَابُ وَلا يُعَاقَبُ» .
والقولان متلازمان؛ فالشَّافعيُّ ذَكَرَ سَبَبَ الجزاء، وهو الأَمْرُ والنَّهْيُ، وَغَيْرُهُ ذَكَرَ غَايَةَ الأمر والنَّهي.
وحكمُه بينهمفي الآخرةبثوابه وعقابه.
ولذلك هناك غَايَةٌ تُرَادُ من العباد، وهناك غايةٌ تُرَادُ بهم؛ فالغَايَةُ الَّتي تراد من العباد هي معرفةُ الله، وعبادتُه، والغاية الَّتي تراد بهم هيالجزاءُ بالعَدْلِ، والفضل، والثَّواب، والعقاب؛ لِيَجْزِيَ الَّذين أَسَاءُوا بما عملوا، ويجزي الَّذين أحسنوا بالحسنى.
وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ اللهَ ذَكَرَ في السُّورَةِ خَلْقَيْنِ وَتَعْلِيمَيْنِ؛ فَخَلْقٌ عَامٌّ، وَخَلْقٌ خَاصٌّ، وَتَعْلِيمٌ عامٌّ، وتعليمٌ خاصٌّ.
فَبَعْدَمَا ذَكَرَ عُمُومَ الخَلْقِ، ذَكَرَ خُصُوصَ خَلْقِ الإِنْسَانِ مِنَ العَلَقِ، وهو الدَّمُ الجَامِدُ المتعلِّقُ في جدار الرَّحِمِ.
هذه السُّورةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُ تتحدَّث عن عدَّة أُمُورٍ:
-أَوَّلًا: عن بدء نزول الوحي على خاتم الأنبياء والمرسلين، وأمره بالقراءة والعلم.
-وثانيًا: تناولت موضوعَ طغيان الإنسان، وتمرُّدِهِ على أوامر ربِّه.
-وثالثًا: قصَّةُ الشَّقيِّأَبِي جَهْلٍ وَنَهْيِهِ للرَّسول - صلى الله عليه وسلم - عن الصَّلاة.
وقبل الشُّروع في التَّفسير مَرَّ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - في بداية بَعْثَتِهِ واصطفائه بأربع مراحلَ في الوحي والنُّبُوَّة.
فكان أوَّلُ ما بُدِئَ به الوحيُ الرُّؤْيَا الصَّالحة، يراها فتأتي كفلق الصُّبح، فكان ذلك إرهاصًا للنُّبوَّة، وتمهيدًا لها لمدَّة ستَّة أشهر.
فكان يرى في منامه رُؤًى تتحقَّقُ على أرض الواقع كفلق الصُّبح، ولأنَّ الرُّؤيا الصَّالحة هي جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة.
ثمَّ حبَّب اللهُ إلى النَّبِيِّ الكريم بعد هذه المرحلة الخلاءَ، والبُعْدَ عن النَّاس، فكان - صلى الله عليه وسلم - يَلْجَأُ إلى غارٍ شَرْقَ مَكَّةَ المكرَّمة اسمُه غارُ حِرَاءٍ، يتعبَّدُ فيه ويتحنَّث، وكان يقضي فيه اللَّيالي ذوات العدد.
جاءت بعد ذلك مرحلةُ الوحي، حينما نزل جِبْرِيلُ - عليه السلام - إلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وهو يتعبَّد في غار حِرَاءَ في مكانٍ مُطِلٍّ على مكَّة، فجاءه الملكُ، فقال «اقْرَأْ» .
قال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» . قال: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْبِاسْمِرَبِّكَالَّذِيخَلَقَ (1) خَلَقَالْإِنْسَانَمِنْعَلَقٍ (2) اقْرَأْوَرَبُّكَالْأَكْرَمُ} » متفق عليه.
فحفظها رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَرَجَعَ إلى زَوْجَتِهِ خَائِفًا مِنْ رُعْبِ بِدَايَةِ الوَحْيِ، وَاغْتَسَلَ بِمَاءٍ وقال: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» .