فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 581

وهذا موجودٌ حتَّى بين النَّاس؛ إذا أردتَ أَنْ تَطْلُبَ شَيْئًا، تضطرُّأَنْ تقدِّم أمورًا قبلَ طَلَبِكَ، ولله المَثَلُ الأعلى. قَدِّمْ عَمَلًا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيِ المَسْأَلَةِ.

عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قال: صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا صلاةً فَأَطَالَ فيها، فلمَّا انصرفَ قُلْتُ: يا رسولَ الله، لقد أَطَلْتَ اليَوْمَ الصَّلاةَ؟ قال: «إِنِّي صَلَّيْتُ صَلاةً رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَسَأَلْتُ اللهَ لِأُمَّتِي ثَلاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَرَدَّ عَلَيَّ وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ غَرَقًا فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَرَدَّهَا عَلَيَّ» . أَخْرَجَهُ ابنُأبي شَيْبَةَ.

فمتى قام بهذين الأَصْلَيْن: ِ التَّفَرُّغِ للعبادة، والطَّاعة والرَّغبة إلى الله وَحْدَهُ، وتجريد توحيده، يحصل له من شرح الصَّدر، وَوَضْعِ الوِزْر، ِ وَرَفْعِ الذِّكر بحسب ما قام به، وبُدِّلَ عُسْرُهُ يُسْرًا.

سُمِّيَتْ بذلك؛ لافتتاحها بذلك.

وهذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العَظِيمَةُ ابْتَدَأَتْ بِالقَسَمِ بهذه الأَمْكِنَةِ الثَّلاثَةِ؛ فالتِّينُ والزَّيتون شجرتان معروفتان، ومنبتهما في الأرض المقدَّسة؛ فَهِيَأَكْثَرُ البقاع زيتونًا وتينًا.

وأقسم بجبل الطُّور الَّذي كلَّم عليه موسى - عليه السلام - وناجاه، ثمَّأَقْسَمَ بمكَّة مَظْهَرِ خاتم أنبيائه، ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن القسم الرَّابع، و هو تَكْرِيمِ الله للبشر، وأنَّه خَلَقَهُمْ في أَجْمَلِ وأحسن صورةٍ ظاهرًا وباطنًا.

فالظَّاهِرُ أَحْسَنُ صُورَةٍ، وباطنًا على الفطرة المستقيمة، مِنْ أَجْلِأَنْ يَعْبُدُوهُ وَيَشْكُرُوهُ.

فَأَحْسَنَ صُوَرَهُمْ؛ لِيُحْسِنُوا العَمَلَ، وإذا لم يُحْسِنُوا العَمَل، َفَسَيَرُدُّهُمْ إلى أَسْفَلِ دَرَكَاتِ الجحيم.

ثمَّ ذَكَّرَ اللهُ الإنسانَأَنَّ مَنْأَكْمَلَ خَلْقَ الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍبَعْدَأن كان نطفةًمن ماءٍ مهينٍ، قَادِرٌ على أن يُعِيدَهُ بَعْدَ موته، فماالحاملُ والدَّاعي له على التَّكذيب بالجزاء والمعاد؟!

ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُبأنَّ حِكْمَةَأَحْكَمِ الحاكمين لايساوي بين خَلْقِهِ؛ فَيُسَاوِيَ بين المحسن والمسيء.

فَحُكْمُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ في الدُّنيا بشرعه، وَأَمْرِه، ِ وَنَهْيِهِ، وَحُكْمِهِ بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه.

قوله: {وَالتِّينِوَالزَّيْتُونِ} :أَقْسَمَ اللهُ بهاتين الثَّمَرَتَيْنِ، ولا يُقْسِمُ-سبحانه - إلاَّ بِعَظِيمٍ؛ لِمَا فيهما من المنافع والفوائد.

قال ابْنُ عبَّاسٍ: «هو التِّينُ؛ تِينُكُمُ الَّذي تأكلون، والزَّيتون: زيتونكم الَّذي تعصرون» .

أمَّا التِّينُ فَلَمْ يذكر الله في كتابه التِّينَ إلاَّ في هذه السُّورة، وسمَّى هذه السُّورةَ بهذه الفاكهة؛ ففي الأثر: «فَلَوْ قُلْتَ: لَوْ فَاكِهَةٌ نَزَلَتْ من الجنَّة، لَقُلْتُ: هَذِهِ؛ لأنَّ فاكهةَ الجنَّة بلا عجمٍ فكلوه» .

قد أَقْسَمَ الله بالتِّين والزَّيتون في كتابه؛ لِكَثْرَةِ منافعه وفوائده.

وأمَّا الزَّيتون فقد ورد في كتاب الله في سبع آياتٍ في الأنعام مَرَّتَيْنِ، وفي النَّحل، وفي المؤمنون، وفي عبس، وسورة النُّور.

والتِّينُ طَعْمُهُأَحْلَى من العسل، والزَّيتونُ مُرٌّ.

وبعضُهم قال: «فيها إِشَارَةٌ إلى بيت المقدس، والَّتي بَعَثَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَ كثيرين، ومنهم عيسى بن مريم - عليه السلام -» .

قوله: {وَطُورِسِينِينَ} :أقسم اللهُ العظيمُ بهذا الجَبَلِ، ولا يقسم إلاَّ بعظيمٍ، فأقسم- سبحانه - بهذا الجبل، وأنزل سورةً وسمَّاها بهذا الجبل سورةَ الطُّور.

والطُّورُ جَبَلٌ عَظِيمٌ كلَّم اللهُ مُوسَى - عليه السلام - وَنَاجَاهُ عِنْدَهُ، و {سِينِينَ} هو المباركُ؛ لأنَّ اللهَ - تعالى - وَصَفَ مَا حَوْلَهُ بالوادي المقدَّس.

وقيل: «هي البُقْعَةُ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت