فإذا ذَهَبَ الكِبْرُ، سَهُلَ عَلَيْهِ قَبُولُ الحَقِّ، وإذا ذهب الحَسَدُ، سَهُلَ قَبُولُ النَّصيحَةِ، وإذا ذهب الغَضَبُ، سَهُلَ عليه التَّواضُعُ والعَدْلُ، وإذا ذهبت الشَّهْوَةُ، سَهُلَ عَلَيْهِ الصَّبْرُ والعَفافُ والعِبَادَةُ.
وَلَكِنْ زَوَالُ الجبال عن أماكنها أَيْسَرُ مِنْ زَوَالِ هذه الأربعة، وإذا اسْتَحْكَمَتْ بالقلب، أَرَتْهُ الحَقَّ بَاطِلًا، والبَاطِلَ حَقًّا.
وغالبًا سَبَبُ كُفْرِ الأُمَمِ نَاشِئٌ منها؛ فَمَنْ فَتَحَ على نَفْسِهِ هَذِهِ الأَرْبَعَ، فَتَحَ بَابَ الشُّرُورِ، وَمَنْأَغْلَقَهَا أَغْلَقَأَبْوَابًا مِنَ الشَّرِّ عَظِيمَةً.
8 -حذَّرَنا اللهُ كما حَذَّرَ آَدَمَ فقال: {لَاتَتَّبِعُواخُطُوَاتِالشَّيْطَانِ} وَبَيَّنَ لَنَا أنَّه عَدُوٌّ لنا.
9 -مَنْأَصَرَّ على المعاصي تَشَبَّهَ بِإِبْلِيسَ، وإن لَمْ يَكْفُرْ، وصاحبُ الشَّهْوَةِ يُرْجَى له التَّوْبَةُ، وصاحبُ الكِبْرِ والحَسَدِ لا يُرْجَى له.
10 -أبونا آَدَمُ - عليه السَّلام - وَقَعَ في المَعْصِيَةِ، وتاب اللهُ عَلَيْهِ، وَحَالُ آَدَمَ بعد التَّوبةأَعْظَمُ مِنْ قَبْلِ التَّوبة؛ {ثُمَّاجْتَبَاهُرَبُّهُفَتَابَعَلَيْهِوَهَدَى} . فَآَدَمُ - عليه السَّلامُ - نَبِيٌّ.
فقد ظلَّ النَّاسُ على التَّوْحِيدِ وعلى الهُدَى والفطرةالمستقيمة عَشَرَةَ قُرُونٍ بعد آَدَمَ. قال الله تعالى: {كَانَالنَّاسُأُمَّةًوَاحِدَةًفَبَعَثَاللَّهُالنَّبِيِّينَمُبَشِّرِينَوَمُنذِرِينَ} .
فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ بِطَرِيقَةٍ ماكرةٍ عن طريقين: الغُلُوِّ والتَّصوير.
وَقَدْ وَرَدَ في «صحيح البخاريِّ» أنَّه لمَّا مات رِجَالٌ صَالِحُونَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، جاء الشَّيطانُ وَوَسْوَسَ للنَّاس، وزيَّن لهم أَنْ يجعلوا لهؤلاء الصَّالحين أنصابًا وَتَمَاثِيلَ يَجْعَلُونَهَا في مَجَالِسِهِمْ.
ففعلوا ذلك؛ ظَنًّا منهم أنَّ في هذا الفعل إكرامًا للصَّالحين، فلمَّا مرَّت الأَيَّامُ والأَجْيَالُ جَاءَ الشَّيطانُ وقال: إنَّ من كان قَبْلَكُمْ كانوا يعبدون هذه التَّماثيلَ، فصدَّقوا ذلك، ومن هنا أَتَتْ عِبَادَةُ الأصنام.
فَأَرْسَلَ اللهُ نُوحًا - عليه السلام - إلى قومه وهم بَنُو راسبٍ فقال: {يَاقَوْمِاعْبُدُوااللَّهَمَالَكُممِّنْإِلَهٍغَيْرُهُ} ، وَمَكَثَ في دعوته أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَامًا.
وقد ذَكَرَ اللهُ لنا سَبَبَ امتناع قَوْمِهِ عن الاستجابة له بسببين:
-الأوَّل: أنَّه بَشَرٌ مِثْلُهُمْ وأنَّ أَتْبَاعَهُ هُمُ الأَرَاذِلُ؛ {مَانَرَاكَإِلَّابَشَرًامِّثْلَنَاوَمَانَرَاكَاتَّبَعَكَإِلَّاالَّذِينَهُمْأَرَاذِلُنَابَادِيَالرَّأْيِوَمَانَرَالَكُمْعَلَيْنَامِنفَضْلٍ} .
أَيْ: مِنْ مِيزَةٍ، وقالوا: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ يريد أن يتفضَّل عليكم} ؛أي: يترأَّس ويترفَّع عليكم، ثمَّ اتَّهموه بأنَّه في ضلالٍ مُبِينٍ، وأنَّه مَجْنُونٌ، وأنَّه مُجَادِلٌ.
فردَّ عليهم نُوحٌ - عليه السلام: «أنا أدعوكم إلى الله، ولا أَطْلُبُ منكم مالًا، وليس عندي أُعْطِيَاتٌ» ؛ {و لَاأَقُولُلَكُمْعِندِيخَزَائِنُاللَّهِوَلَاأَعْلَمُالْغَيْبَوَلَاأَقُولُإِنِّيمَلَكٌ} .
«ولا أَزْدَرِي أَحَدًا، ولا أَحْتَقِرُهُ، ولكنَّي أراكم قومًا تجهلون» .أي: ليس في هذه الحُجَجِ مَنْطِقٌ عَقْلِيٌّ.
فردَّ عليه قومُه: «قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا» . فقد استخدم معهم جَمِيعَأَنْوَاعِ الحُجَجِ؛ التَّرغيبَوالتَّرْهِيبَ؛ ليلًا ونهارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، بل واستخدم معهم المَنْطِقَ العَقْلِيَّ، فرغَّبهم بقوله: {أَنِاعْبُدُوااللَّهَوَاتَّقُوهُوَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْلَكُممِّنذُنُوبِكُمْوَيُؤَخِّرْكُمْإِلَاأَجَلٍمُّسَمًّى} .
وَرَهَّبَهُمْ؛ {إنِّيأَخَافُعَلَيْكُمْعَذَابَيَوْمٍعَظِيمٍ} .
استخدم معهم المَنْطِقَ العَقْلِيَّ؛ {مَّالَكُمْلَاتَرْجُونَلِلَّهِوَقَارًا} ؛أَيْ: عَظَمَةً؛ فقد خَلَقَنَا أَطْوَارًا.