ثمَّ بعد هذا بعثه ربُّه - عزَّ وجلَّ - إليهم نذيرًا يدعوهم إلى الله - عزَّ وجلَّ - أن يعبدوه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، فأصبحت مهمَّتُه صَعْبَةً؛ هم يَبْحَثُونَ عنه ثمَّ يرجع إليهم ويقول: أنا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ. فكانت مهمَّتُه من الصُّعوبة بمكانٍ.
ولذلك كان عند موسى - عليه السلام - عِدَّةُ مُشْكِلاتٍ؛ والأَمْرُ صَعْبٌ؛ فهو يعرف حَالَ فِرْعَوْنَ وَغَطْرَسَتَهُ هو وقومه، وَعِنْدَهُ مُشْكِلَةٌ في لسانه حينما كان وليدًا وعُمْرُهُ سَنَتَان، وكان في حجر فرعون، فأمسك بِلِحْيَتِهِ وَجَرَّهَا، فَغَضِبَ عليه فرعونُ وقال: هذا عَدُوِّي.
فقالت له امْرَأَةُ فرعون: هذا صَغِيرٌ لا يُدْرِكُ هذه الأمور، ولا يَعْقِلُهَا، إنَّمَا أراد أن يَلْعَبَ، وهو لا يفرِّق بين الجَمْرَةِ والتَّمْرَةِ.
فجرَّب ذلك، فَوَضَعَتْ لَهُ الجَمْرَةَ والتَّمْرَةَ، فَاخْتَارَ الجَمْرَةَ وَوَضَعَهَا في فِيهِ، فَحَصَلَتْ له عُقْدَةٌ وَنَجَا من قتلٍ مُحَقَّقٍ، وَطَلَبَ من ربِّه أيضًا أَنْ يَشُدَّ عَضُدَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ.
وَذَكَرَ مُوسَى -أيضًا -مشكلة أخرى و هي أنَّ لَهُمْ عَلَيْهِ ذَنْبًا فيخاف أن يقتلوه. فقال اللهُ تعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} وهذه مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ من الله لموسى وأخيه.
مَعِيَّةُ الحفظ والنَّصر والتَّأْيِيدِ. وَمِنْ ثَمَّطَرَحَموسى - عليه السلام - مُشْكِلَتَهُأَمَامَ رَبِّهِ؛ حتَّى يبيِّن له وَسَائِلَ الدَّفْعِ، وَيُقْدِمَ على الأَمْرِ، وهو على بَصِيرَةٍ.
فاللهُأَعْطَاهُ سُؤْلَهُ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ، وَيَسَّرَ لَهُأَمْرَهُ، وَشَدَّ عَضُدَهُ بأخيه، وألقى الخَوْفَ الَّذي في قلبه من فرعون في قلب فرعون، فكان فرعونُإذا رأى موسى - عليه السلام - يخاف منه.
ومهمَّتُه دَعْوَةُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إلى التَّوْحِيدِ، وَعِبَادَةِ اللهِ، وأنَّه الإِلَهُ الحَقُّ والمُدَبِّرُ لهذا الكون، فإذا لم تَسْتَجِبْ لدعوة التوحيد فَلا أقل من أن يرْسِلْ مَعَه بَنِي إسرائيل؛ لِيخْرِجَهُمْ من الاستضعاف، والخروج بهم من مِصْرَإلى الأرض المقدَّسة؛ حتَّى يَتَمَكَّنُوا من إقامةِ الدِّين.
-الفوائد من هذه المرحلة مرحلة التَّكليف:
1 -عودةُ موسى - عليه السلام - إلى مصر قَدَرِيَّةٌ؛ فهو كما قال الله تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} ؛ فَأَقْدَارُ الله مُقَدَّرَةٌ بِحِكْمَةٍ يَسُوقُ العَبْدَ لها.
فَرَغْمَ أنَّ موسى - عليه السلام - مُهَدَّدٌ بالقتل، لكنه قَرَّرَ العَوْدَةَ؛ فالله يُقدِّر للعَبْدَالذهاب لمكانٍ مُعَيَّنٍ في سَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ليقابل قَدَرًا مُعَيَّنًا.
2 -جَعَلَ اللهُ النَّارَ والشَّجَرَةَ عَلَامَةً ليأتي موسي - عليه السلام - إليها، ويسمع كلامَ الله في عندها، فَيُكَرِّمَهُ بالرِّسالة وبالتَّكْلِيمِ؛ {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} .
3 -قيل: «إنَّ سَبَبَ اصْطِفَاءِ موسى بالكلام إخلاصُه وطهارةُ قَلْبِهِ وَتَوَاضُعُهُ» . وَرَدَ في الأَثَرِ أَنَّ رَبَّنَا سبحانه وتعالى قال: «لِأَنِّي لَمْ يَتَوَاضَعْ إِلَيَّ أَحَدٌ تَوَاضُعَكَ» . رواه أبو الشيخ.
4 - {قَالَ امْكُثُوا} أَجْلَسَهُمْ في مَكَانِهِمْ وَهُوَ الَّذي ذهب إلى النَّار، ربَّما يجد هناك شَيْئًامُؤذيًا، فيكون أهلُه في سلامةٍ.
5 -ناداه الله عزَّ وجلَّ: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} فَفِيهَا إِينَاسٌ شَدِيدٌ، وَلُطْفٌ مِنَ اللهِ بِمُوسَى - عليه السلام -.
{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} فيها اصْطِفَاءٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
سَارَ موسى - عليه السلام - بأهله بعدما كلَّفه اللهُ بالرِّسالة، وخصَّه بالتَّكليم، وأيَّده بمعجزاتٍ تَدُلُّ على صِدْقِهِ، وَهِيَ العَصَا وَاليَدُ، فَتَوَجَّهَ مُوسَى وهارون جميعًا إلى فرعون فقالا: {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ} .
فلمَّا بلَّغاه رِسَالَةَ الله، قال: مَنْ هُوَ اللهُ؟ لا أعرفه، ولا أُرْسِلُ بني إسرائيل. وذكَّره بماضيه.