فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 581

بَقِيَ: ما هو الشَّيْءُ الَّذي يوزن؟ يُوزَنُ العاملُ، والعملُ، والصَّحائفُ؛ فلا تُحَقِّرَنَّ من المعروف شيئًا أَنْ تَعْمَلَهُ، ولا تُحَقِّرَنَّ من الشَّرِّ شَيئًا تَتْرُكُهُ.

ففي «مُسْلِمٍ» : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي: حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا: النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي المَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ» .

حديثُ عائشة حينما تصدَّقت بتمرةٍ واحدةٍ قالت رضي الله عنها: «جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا» . فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ. رواه البخاريُّ. وتصدَّقت أيضًا بثلاثِ تَمْرَاتٍ عَائِشَةُ رضي الله- تعالى - عنها.

قالت: «جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فأطعمتُها ثلاثَ تَمْرَاتٍ، فأعطت كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً، ورفعت إلى فِيها تمرةً لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقَّت التَّمْرَةَ الَّتي كانت تريد أن تأكلها بينهما -يعني شقَّت التَّمرةَ بينهما- فذكرت الَّذي صَنَعَتْ لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: «إِنَّ اللهَ قَدْأَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» . رواه مسلمٌ.

السُّورَةُ تُحَذِّرُنَا من يوم القيامة، وفيها حَثٌّ على الأعمال الصَّالحة، والعملُ لا يضيع، وإن كان مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ.

سُمِّيَتْ بذلك؛ لافتتاحها به.

وهذه السُّورةُ الجليلةُ العظيمةُتتحدَّث عن عدَّة أُمُورٍ؛ بَدَأَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بالقَسَمِ بخيل الغزاة، وأفعالها الخمسة؛ إِظْهَارًا لشرفها وَفَضْلِهَا، ثمَّ ذمَّ اللهُ مَنِ اتَّصَفَ بهذين الخُلُقَيْنِ المُهْلِكَيْنِ؛ مَنْ كَفَرَ بِنِعَمِ رَبِّهِ، وَبَخِلَ بما آتاه اللهُ.

فلا هو شكورٌ عند النِّعَمِ، ولا هو محسنٌإِلَى الخَلْقِ، ثُمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بِتَخْوِيفِ مَنْ هذا وَصْفُهُ حِينَ يُبَعْثَرُ ما في القبور، وَيُحَصَّلُ ويميَّز ويظهر ما في الصُّدور، ولا ينفع في الآخرة مَالٌ وَلا جَاهٌ، وإنَّما ينفع الإيمانُ والعملُ الصَّالحُ.

بِدَايَةً أَقْسَمَ اللهُ بِخَيْلِ الغزاة، وأفعالها الخمس، واللهُ لا يُقْسِمُ إلاَّ بِعَظِيمٍ، ولذلك حرَّم اللهُ القَسَمَ بِغَيْرِهِ؛ لأنَّ القَسَمَ بالشَّيءِ مُنْتَهَى التَّعظيم.

قوله: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} :العادياتُ جَاءَتْ على قَوْلَيْن؛ الإِبِلِ والخَيْلِ.

والأصحُّ والأَقْوَى والأَظْهَرُأنَّها الخَيْلُ، وليست كلَّ الخَيْلِ، إنَّما خَيْلُ المُجَاهِدِينَ الَّتي تَعْدُو في الجهاد.

مَنْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ *** فَخُيُولُنَا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ

فَأَقْسَمَ بِخَيْلِ الغزاة الَّتي تعدو فَتَضْبَحَ، والضَّبْحُ: صَوْتُ أنفاسها إذا عَدَوْنَ من شدَّة العزم.

وليس المرادُ به صَوْتَ الصَّهيل. وهذا تفسيرُ ابن عبَّاسٍ.

قوله: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} : تُورِي النَّارَ بحوافرها، إِذَا عَدَتْ بأرضٍ فيها صفا أو حَجَرٌ.

فالقَدْحُ قد يكون بالحاف، ر أو الحجارة من شدَّة العدو؛ فتحرَّكَ الحجارةُ، فيقع بَعْضُهَا على بعض، فَتُقْدَحَ نَارًا.

قوله: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} : أي تُغِيرُ على العدوِّ.

وأفضلُ ما تكون الإغارةُ وَقْتَ الصُّبْحِ؛ لأنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي آَخِرَ اللَّيْلِ، وَيَنْتَظِرُ الصُّبْحَ، فَإِنْ سَمِعَأَذَانًا وإلاَّأَغَارَ عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت