ابنُك إذا لم يَخَفْ من الله، لم يقبِّل يدك، المطفِّف إذا لم يَخَفْ من الله، يغشُّ ويخون.
3 -أَعْلَنَ اللهُ الحَرْبَ على المطفِّف وتوعَّده بِوَيْلٍ؛ لأنَّه يريد أن يمصَّ دماء المسلمين؛ من أجل بناء حياته على موت النَّاس، وغِناهُ على فقر النَّاس، وَمَجْدِهُ على أنقاض النَّاس، وَأَمْنِهُ على خوف النَّاس.
بينما المؤمنُ مِنْ سِمَاتِهِ الأساسيَّة أنَّهُ يُؤثِرُ الآَخَرِينَ على نَفْسِهِ، وَيُحِبُّ لهم ما يحبُّ لِنَفْسِهِ.
4 -سورة المطفِّفين تتكلَّم عن نموذجين؛ أَحَدُهُمَا يتنافس على الدُّنيا الفانية، والآَخَرُ يتنافس على الآخرة الدَّائمة الباقية.
فَأَهْلُ الدُّنيا الفانية في سباقٍ في جميع ميادين الحياة؛ سِبَاقٍ على الأَمْوَالِ، والوَظَائِفِ، والعقارات.
وهناك من يُسَابِقُ على الدَّرجات العلا، وَلَلآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا.
5 -يسعى أَهْلُ الباطل إلى ضرب أهل الحقِّ بالتَّنقُّص منهم، والسُّخْرِيَةِ مِنْ أَجْلِإسقاطهم، وَتَنْفِيرِ النَّاس عنهم، وتشويه صورة الحقِّ.
6 -إذا أصبح النَّاسُيَجْرُونَ وَرَاءَ الدُّنيا؛ فَسَوْفَينسون الآخرةَ، ويتركون الدِّين، وإذا ابتعد النَّاسُ عن الدِّين، ظَهَرَ الفَسَادُ في البرِّ والبحر، وإذا تتبَّعْنَا الغشَّ في كلِّ مَكَانٍ؛ وَجَدْنَا أنَّه بِسَبَبِ فِقْدَانِ الإيمان والأمانة.
7 -كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يستفتح يَوْمَهُ: «أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا طَيِّبًا وعملًا متقبَّلًا» رواه أحمد و ابن ماجة و الطبراني. وكلُّها مُرْتَبِطَةٌببعضٍ.
تمَّ تفسيرُ سورة المطفِّفين، ولله الحمدُ والمِنَّةُ، وبه الحَوْلُ والقوَّة.
المحتويات
هذه السُّورَةُالعظيمة افْتُتِحَتْ بِمَشْهَدَيْنِ من مشاهد القيامة، فتحدَّثت أولًا عن مصير الإنسان الَّذي يَكْدَحُ، وثانيًا عن موقفِ الكفَّار من القرآن.
فاللهُ مَا خَلَقَ الخَلْقَ لِيُعَذِّبَهُمْ، ولا جَعَلَ الدُّنيا دَارَ تَنَعُّمٍ، بل خلقهم ليمتحنَهم، فاقتضت حكمتُه أَنْ يَخْلُقَ دَارَيْنِ؛ دارًا للتَّكليف، ودارًا للجزاء.
فدارُ التَّكْلِيفِ خَلَقَهَا في ستَّة أيَّامٍ، وَبَيَّنَ الحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِهَا؛ {إِنَّاجَعَلْنَامَاعَلَاالْأَرْضِزِينَةًلَّهَالِنَبْلُوَهُمْأَيُّهُمْأَحْسَنُعَمَلًا} .
وَخَلَقَ الإِنْسَانَ وَكَلَّفَهُ بِمُهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وهي كما قال الشَّيخ حافظٌ: «اعْلَمْ بأنَّ اللهَ- جلَّ وَعَلا - لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ سُدًى وهملًا، بَلْ خَلَقَ الخَلْقَ؛ لِيَعْبُدُوهُ، وَبِالأُلُوهِيَّةِ يُفْرِدُوهُ» .
فاللهُ مَا خَلَقَنَا عَبَثًا، بَلْ خَلَقَنَا لِعِبَادَتِهِ، وَأَرْسَلَ إلينا رُسُلًا، وأنزلَ إلينا كُتُبًا، وجعلَ لنا عقلًا، وَسَمْعًا، وَبَصَرًا، وَبَيَّنَ لَنَا طَرِيقَ الخَيْرِ؛ لِنَسْلُكَهُ، وبيَّن لنا طريقَ الشَّرِّ؛ لِنَتْرُكَهُ، فقال سبحانه: {وَأَنَّهَذَاصِرَاطِيمُسْتَقِيمًافَاتَّبِعُوهُ وَلَاتَتَّبِعُواالسُّبُلَفَتَفَرَّقَبِكُمْعَنسَبِيلِهِ} .
فَبَعْدَأَنْأَقَامَ عَلَيْنَا الحُجَّةَ «القُرْآَنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» رواه الترمذيو النسائي و ابن ماجة، وَوَكَّلَ بنا ملائكةً يكتبون عنَّا كلَّ شَيْءٍ، وَنُحَاسَبُ بَعْدَهَا على ذلك.
فَمَا أَوْجَدَاللهُ الإنسانَ في هذا الكَوْنِ إلاَّ للقِيَامِ بهذه المُهِمَّةِ، وهي عبادةُ الله؛ فالإصلاحُ في الأَرْضِ لا يكون بالتَّقدُّم التِّقَنِيِّ، أو العمرانيِّ، بل الإصلاحُ يكون بالتَّوحيد، وطاعة الله.
والإفسادُ في الأرض يكون بالشِّرْكِ والمعاصي؛ فمن اشتغل بالدُّنيا، وَنَسِيَ رَبَّهُ والآَخِرَةَ، خَسِرَ الدُّنيا والآخرة.