فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 581

كما وَصَفَ جَعْفَرُ بنِ أَبِي طَالِبٍ حَالَ الجاهليَّة بقوله: «إنَّا كنَّا أَهْلَ جاهليَّةٍ وَشَرٍّ، نعبد الأصنامَ، وَنَأْكُلُ المَيْتَةَ، ونأتي الفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الجِوَارَ، وَيَأْكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَبَعَثَ اللهُ رَجُلًا مِنَّا نعرف نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَدَعَانَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَنَتْرُكَ عِبَادَةَ الأصنام، وَأَمَرَنَا بالأمانة والصِّدق وَصِلَةِ الأَرْحَامِ وَحُسْنِ الجوار» رواه أحمد و ابن خزيمة و صححه الألباني.

فَمَا دَامَتْ عبادةُ الله مَوْجُودَةً، فالكَوْنُ مَوْجُودٌ؛ ففي الحديث عند أحمد وإسنادُه صحيحٌ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَأْخُذَ اللهُ شَرِيطَتَهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَبْقَى فِيهَا عُجَاجَةٌ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا» . فعليهم تقوم السَّاعة. متى هي؟

قوله: {إِذَاالسَّمَاءُانْشَقَّتْ} :السَّمَاءُتُطْلَقُ على كلِّ ما علا وارتفع.

وتُطْلَقُ على: «السَّمَاءُ المبنيَّة» ؛ فهي قويَّةٌ وَمُحْكَمَةٌ، وَلَهَا أَبْوَابٌ؛ فَهَذِهِ السَّماء يأتي عليها يَوْمٌ إذا أراد اللهُ نِهَايَةَ الدُّنيا تَنْشَقُّ رَغْمَ غِلَظِهَا وَسُمْكِهَا وَصَلابَتِهَا؛ فهي السَّبْعُ الشِّدَادُ القَوِيَّةُ المُحْكَمَةُ المستوية.

قوله: {وَأَذِنَتْلِرَبِّهَاوَحُقَّتْ} :أي سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ واستجابت لأمره.

قوله: {وحُقَّتْ} أَيْ: حُقَّ لها أن تُطِيعَ أَمْرَربِّها وخالقِها؛ لأنَّه أَحَقُّ مَنْ يُعْبَدُ، وَأَحَقُّ من يُخْشَى، وَأَحَقُّأَنْ يُتَّقَى؛ فقد سَمِعَتْ وأطاعت في ابتداء خَلْقِهَا، وَسَمِعَتْ وأطاعت في انتهاء خَلْقِهَا.

فَكُلُّ هذا الكون مُسْتَجِيبٌ وَمُطِيعٌ، وليس له اخْتِيَارٌ.

قوله: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ} :إِذَا ذَهَبَ السَّاكِنُ، خَرِبَتِ الدَّارُ.

قدَّر اللهُ خَلْقَ الدُّنيا، وَجَعَلَ لَهَا مُدَّةً محدَّدةً؛ فَلَهَا بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، وَخَلَقَ الإِنْسَانَ للعبادة، وَهَيَّأَ لَهُ المَكَانَ، فَإِقَامَتُنَا مَحْدُودَةٌ، وآجالُنَا مَكْتُوبَةٌ، وَأَرْزَاقُنَا مَقْسُومَةٌ، فإذا انْتَهَتْ مُهِمَّتُهُ وَذَهَبَ السَّاكنُ، خَرِبَتِ الدَّارُ.

ومعنى «مُدَّتْ» أي: تُمَدُّ الأَرْضُ يَوْمَ القيامة مَدَّ الأَدِيمِ، فَتُصْبِحَ مُسْتَوِيَةً، وَتُزَالُ جِبَالُهَا، وَكُلُّ ما عليها، حتَّى يُحْشَرَ النَّاسُ عليها، فَتُبْسَطَ وَتُوَسَّعَ.

قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «تُمَدُّ مَدَّ الأَدِيمِ» رواه أحمد و ابن ماجة؛ لأنَّ الأَدِيمَ إذا مُدَّ، زَالَ كلُّ انْثِنَاءٍ فيه، وَامْتَدَّ وَاسْتَوَى.

{وَإِذَاالْأَرْضُمُدَّتْ} صَارَ أَقْصَاهُمْ مِثْلَ أدناهم، كما جاء في الحديث: «يَجْمَعُ اللهُ-تَعَالَى - يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآَخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعَهُمُ الدَّاعِي، وَيُنْفِذُهُمُ البَصَرَ» رواه البخاري.

قوله: {وَأَلْقَتْمَافِيهَاوَتَخَلَّتْ} :أَيْ أَخْرَجَتْ مَنْ في بطنها من الموتى؛ من أَجْلِ الحساب.

و {تَخَلَّتْ} أَيْ فَرَغَتْ منهم، فَخَلا مَا في بَطْنِهَا، فَأَصْبَحَتْ فَارِغَةً من المَوْتَى بأمر الله؛

{وَحَشَرْنَاهُمْفَلَمْنُغَادِرْمِنْهُمْأَحَدًا} .

قوله: {وَأَذِنَتْلِرَبِّهَاوَحُقَّتْ} :استمعت لربِّها وأطاعت، وحقَّ لها؛ فَهُوَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا، فتطيعَ أَمْرَهُ، وَلَيْسَ لها اخْتِيَارٌ، فاللهُ إذا أَمَرَ السَّمَاءَ تَنْشَقُّ، فتنشقُّ، وإذا أَمَرَ الأَرْضَ تَتَصَدَّعُ، فَتَتَصَدَّعُ.

فَخَاطَبَ اللهُ الإنسانَ؛ لأنَّه تَمَرَّدَ على ربِّهِ، وَنَسِيَ مهمَّته، وَجَعَلَ له اختيارًا.

قوله: {يَاأَيُّهَاالْإِنْسَانُ} : كَلِمَةُ «الإنسان» جِنْسٌ تَشْمَلُ جَمِيعَ البَشَرِ.

قوله: {إِنَّكَكَادِحٌإِلَارَبِّكَكَدْحًا} :الكَدْحُ يَأْتِي لمعانٍ؛ السَّعْيِ بِجِدٍّ مع مَشَقَّةٍ.

وقيل: «الكَدْحُ هو السَّيْرُ الحَثِيثُ» . كلُّنا نَسِيرُ إلى الله سَيْرًا مُسْرِعًا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، حتَّى يَنْقَضِيَ العُمُر، ثمَّ لا يتخلَّف مِنَّا أَحَدٌ، لا طَائِعٌ ولا عاصٍ؛ {فَلَاتَعْجَلْعَلَيْهِمْ إِنَّمَانَعُدُّلَهُمْعَدًّا} .

أَيْ: إنَّما نَعُدُّ لَهُمُ الأيَّام واللَّيالي، أو الأَنْفَاسَ «عدًّا» إلى وقت عذابهم؛ فالكلُّ سَائِرٌ إلى الله سَيْرًا، إليه مسرعٌ.

قوله: {فَمُلَاقِيهِ} :أي فَمُلاقِي اللهَ، أو ملاقي عَمَلَكَ، وَكِلاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أي: فَمُلاقٍ اللهَ، فافْعَلْ ما تَشَاءُ.

فَفِي الحَدِيثِ: «عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ بِمَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ» رواه الحاكم و الطبراني و البيهقي و صححه الألباني بمجموع الطرق.

تعيش في هذه الدُّنيا ما شاء اللهُ أن يَكُونَ ثمَّ تَلْقَى رَبَّكَ، وَيَعْرِضُ عليك كِتَابَكَ، وترى كلَّ ما صدر عنك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت