فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 581

وهو من الأنبياء المنصوص عليهم في كتاب الله. يقول الله: {بَشَّرْنَاهُبِإِسْحَاقَنَبِيًّامِّنَالصَّالِحِينَ} ،

{وَبَارَكْنَاعَلَيْهِوَعَلَاإِسْحَاقَ وَمِنذُرِّيَّتِهِمَامُحْسِنٌوَظَالِمٌلِّنَفْسِهِمُبِينٌ} .

وهذا أَكْمَلُ في البشارة، وأعظمُ في النِّعْمَةِ؛ نبيٌّ ومن الصَّالحين وله عَقِبٌ.

إسحاقُ هو ابنُ النَّبيِّ إبراهيم - عليه السلام - من زوجته سارَّة، وقد كانت البشارةُ بِمَوْلِدِهِ من الملائكة لإبراهيم - عليه السلام - وسارَّة، لمَّا مرُّوا بهما مجتازين ذاهبين إلى مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ؛ ليدمِّروا عليهم؛ لكفرهم وفجورهم.

ذكر- تعالى - أنَّ الملائكة قالوا - وكانوا ثلاثةً جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ - لمَّا وردوا على الخليل. حَسِبَهُمْ أوَّلًا أضيافًا، فعاملهم معاملة الضُّيوف، وشوى لهم عجلًا سمينًا، من خيار بَقَرِهِ.

فلمَّا قرَّبه إليهم وعرض عليهم، لم يَرَ لهم هِمَّةً إلى الأكل بالكلِّيَّةِ، وذلك لأنَّ المَلائِكَةَ ليس فيهم قُوَّةُ الحاجة إلى الطَّعام {فَنَكِرَهُمْ} إبراهيمُ، {وَأَوْجَسَمِنْهُمْخِيفَةً قَالُوالَاتَخَفْإِنَّاأُرْسِلْنَاإِلَاقَوْمِلُوطٍ} أَيْ: لندمِّر عليهم.

فاستبشرت عند ذلك سارَّةُ غضبًا لله عليهم، وكانت قائمةً على رءوس الأضياف، كما جَرَتْ به عَادَةُ النَّاسِ من العرب وغيرهم، فلمَّا ضَحِكَتِ استبشارًا بذلك، قال الله تعالى: {بَشَّرْنَاهَابِإِسْحَاقَوَمِنوَرَاءِإِسْحَاقَيَعْقُوبَ} .

أَيْ: بَشَّرَتْهَا الملائكةُ بذلك؛ {فَأَقْبَلَتِامْرَأَتُهُفِيصَرَّةٍ} أي: في صَرْخَةٍ.

{فَصَكَّتْوَجْهَهَا} أي: كما يفعل النِّساءُ عند التَّعجُّب. وقالت: {قَالَتْيَاوَيْلَتَاأَأَلِدُوَأَنَاعَجُوزٌوَهَذَابَعْلِيشَيْخًا} أي: كيف يلد مثلي وأنا كبيرةٌ وعقيمٌ أيضًا، وهذا بعلي - أي: زوجي - شيخًا؟

تعجَّبت من وجود وَلَدٍ، والحالة هذه، ولهذا قالت: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} .

{قَالُواأَتَعْجَبِينَمِنْأَمْرِاللَّهِ رَحْمَتُاللَّهِوَبَرَكَاتُهُعَلَيْكُمْأَهْلَالْبَيْتِ إِنَّهُحَمِيدٌمَّجِيدٌ} .

وكذلك تعجَّب إبراهيمُ - عليه السَّلامُ - استبشارًا بهذه البشارة، وتثبيتًا لها وفرحًا بها؛ {قَالَأَبَشَّرْتُمُونِيعَلَاأَنمَّسَّنِيَالْكِبَرُفَبِمَتُبَشِّرُونَ (54) قَالُوابَشَّرْنَاكَبِالْحَقِّفَلَاتَكُنمِّنَالْقَانِطِينَ} .

أكَّدوا الخَبَرَ بهذه البِشَارَةِ وقرَّروه معه فبشَّروهما {بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} .

وهو إِسْحَاقُ أخو إسماعيل غُلامٌ عَلِيمٌ، مناسبٌ لِمَقَامِهِ وَصَبْرِهِ.

وهكذا وَصَفَهُ ربُّه بِصِدْقِ الوعد والصَّبر.

وقال في الآيةالأخرى: {بَشَّرْنَاهَابِإِسْحَاقَوَمِنوَرَاءِإِسْحَاقَيَعْقُوبَ} .

كان ميلادُه معجزةً، كان ميلادُه معجزةً وبشارةً وفرحةً لأبيه إبراهيم وسارَّة الكبيرين في السِّنِّ، فبشَّرتهم به الملائكةُ، فعمَّت الفرحةُ والسُّرور في بيت إبراهيم - عليه السلام -، وَسَجَدَ إبراهيمُ شاكرًا لربِّه، وورد في البشرى اسمُ ابنه يعقوب.

وكان هذا مجازاةً لإبراهيم - عليه السَّلامُ - حين اعتزل قومَه وتركهم، ونزح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوَّضه الله - عزَّ وجلَّ - عن قومه وعشيرته بأولادٍ صالحين من صلبه على دينه؛ لتقرَّ بهم عينُه.

وإسحاقُ وُلِدَ له يَعْقُوبُ، وهو إسرائيلُ، الَّذي ينتسب إليه سائرُ أسباطهم، فكانت فيهم النُّبوَّةُ، وكثروا جدًّا بحيث لا يعلم عددَهم إلاَّمن بعثهم واختصَّهم بالرِّسالة والنُّبوَّة- عزَّ وجلَّ - حتَّى خُتِمُوا بعيسى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ بني إسرائيل.

{وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} أي: أَنْزَلْنَا عليهما البَرَكَةَ، الَّتي هي النُّموُّ والزِّيادةُ في علمهما وعملهما وذرِّيَّتِهِمَا. وأمَّةُ بَنِي إسرائيل وأُمَّةُ الرُّومِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إسحاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت