ولذلك دارت الشَّفاعةُ يوم القيامة على أولي العزم، فنالها نبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه كان أَصْبَرَهُمْ لِحُكْمِ الله.
قوله: {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} أَيْ: محزونٌ مهمومٌ كما وَصَفَ يَعْقُوبَ - عليه السَّلامُ: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} .
{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} :وَإِنْ يكاد الكفَّارُ - يا مُحَمَّدُ - يسقطونك أو يصرعونك عن مكانك بنظرهم إليك؛ عداوةً وبغضًا وحسدًا حين سمعوا القرآن؛ لِشِدَّةِ كراهيتهم لذلك؛ فيحدُّون إِلَيْهِ النَّظَرَ بالبَغْضَاءِ، ويؤكِّد هذا اقترانُ النَّظَرِ بسماع القرآن.
{وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} .
وقيل: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} أي: يُصِيبُونَكَ بالعَيْنِ حسدًا من عند أنفسهم.
قال غَيْرُ وَاحِدٍ من المفسِّرين عند هذه الآية: «إنَّه الإصابةُ بالعَيْنِ؛ أرادوا أن يُصِيبُوا بها رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: ما رَأَيْنَا مِثْلَهُ، ولا مِثْلَ حُجَّتِهِ. فَعَصَمَ اللهُ رَسُولَهُ.
وكان طَائِفَةٌ منهم تَمُرُّ به النَّاقَةُ والبقرةالسَّمِينَةُ فيعينها ثمَّ يقول لخادمه: خُذِ المِكْتَلَوالدِّرْهَمَ وائْتِنَا بِشَيْءٍ من لَحْمِهَا، فَمَا تَبْرَحُ حتَّى تَقَعَ فَتُنْحَرَ».
وقال الكلبيُّ: «كان رَجُلٌ من العَرَبِ يَمْكُثُ يَوْمَيْنِأَوْ ثَلاثَةً لايأكل، ثمَّ يرفع جَانِبَ خِبَائِهِ، فتمرُّ الإبلُ فَيَقُولُ: لم أَرَ كاليَوْمِإِبِلًا، وَلا غَنَمًا أَحْسَنَ من هذه، فما تذهب إلاَّ قليلًا حتَّى تَسْقُطَ منها طائفةٌ.
فَسَأَلَ الكفَّارُ هذا الرَّجُلَأَنْ يُصِيبَ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -بالعَيْنِ، وَيَفْعَلَ بِهِ كَفِعْلِهِ في غيره، فَعَصَمَ اللهُ رَسُولَه - صلى الله عليه وسلم -،وَحَفِظَهُ، وَأَنْزَلَ هذه الآَيَةَ».
وقال ابنُ قُتَيْبَةَ: «ليس المُرَادُأنَّهُمْ يصيبونك بالعين كما يصيب العَائِنُ بِعَيْنِهِ ما يعجبه، وإنَّما المرادُأنَّهم ينظرون إليكإذا قرأتَ القرآنَنَظَرًا شَدِيدًا بالعَدَاوَةِ والبَغْضَاءِ» . ويؤكِّده أنَّه قَرَنَ السَّمَاعَ بالقرآن.
فَأَنْكَرَ اللهُ عليهم هذا المَوْقِفَ، وَحَصَلَ منهم هذا المَوْقِفُ المُخْزِي.
{وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} بَلَغَ بهم الاستكبارُأنَّهم جعلوا كلامَ الله جنونًا، وهذه حَالَةُ الكفَّار إلى يوم القيامة؛ يحتقرون القرآن والرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذا مَوْقِفُهُمْ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع القرآن دائمًا.
بدأت السُّورةُ بِتَبْرِئَةِ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - من تُهْمَةِ الجُنُونِ؛ بسبب الحسد والحقد وتنفير النَّاس عنه، وَخُتِمَتْأَنَّ مَوْقِفَهُمْ مُسْتَمِرٌّ بسبب الحقد والحسد والعداوة.
قوله: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} : وما القرآنُ إلاَّ مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِيرٌ للعالمين من الإنس والجنِّ.
تمَّت. ولله الحَمْدُ والمِنَّةُ.
سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بالحاقَّة؛ لأنَّ الحَاقَّةَ مِنْأَسْمَاءِ يَوْمِ القيامة، وَأَسْمَاءُ يَوْمِ القيامة متعدِّدةٌ بِتَعَدُّدِ صِفَاتِهِ.
فلذلك ليوم القيامة أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، وللنَّار أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، وللجنَّة أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، ولنبيِّنا مُحَمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم -أسماءٌ كثيرةٌ، وللرَّبِّ- جلَّ جلالُه -أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ لاتَنْحَصِرُ في التِّسْعَةِ والتِّسْعِين.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ» رواه أحمد و ابن حبان و الطبراني.
فالحاقَّةُ هي يَوْمُ القيامة؛ فتعدُّدُأسماء يوم القيامة؛ لِتَعَدُّدِ صفاته، والحاقَّةُ مِنْأَسْمَاءِ يَوْمِ القيامة؛ لأنَّها تَحِقُّ فيها الأُمُورُ وَتَظْهَرُ فيها الحقائق.
هذه السُّورَةُ العظيمة الجليلة تؤكِّد وقوعَ القيامة، وتهدِّد من يكذب بها، وهي تدور على عدَّة أمورٍ.