ابْتَدَأَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بِبَيَانِ أَهْوَالِ القيامة، وماحَصَلَ للمكذِّبين من الأُمَمِ السَّابقةِ من العقوبات بسبب كفرهم بالله، وإنكار البعث يوم القيامة.
ثمَّ تناولت السُّورةُ مَتَى يكون البَعْثث عند النَّفْخِ في الصُّور، وما يَتْبَعُ ذلك من أَحْوَالٍ.
ثمَّ ذَكَرَتْ حَالَ السُّعَدَاءِ والأشقياء في ذلك اليوم المُفْزِعِ؛ حَيْثُ يُعْطَى المُؤْمِنُ كتابَه بيمينه، والكافرُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، ثمَّ جاء القِسْمُ البَلِيغُ وهو أَعَمُّ قِسْمٌ في كلام الله على صدق الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وصدق القرآن.
ثمَّ ختم السُّورة أنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكلامَ الله حَسْرَةٌ على الكافرين يوم القيامة إذا عَايَنُوا حقيقةَ ما أَخْبَرَهُمُ اللهُ به.
قوله: {الْحَاقَّةُ} أَيِ الَّتي تحقُّ فيها الأُمورُ؛ فيحق فيها جزاء الكافرين، ويحق فيها جزاء المؤمنين؛ فيتحقَّق فيها الوعدُ والوعيدُ.
وَمِنْ مَعَانِي «الحاقَّةِ» أيضًا أَيْ: لَيْسَتْ بالأَمْرِ المُحْتَمَلِ، بل هي حَقٌّ لابُدَّ منه، وَشَيْءٌ سَيَقَعُ، وَوَعْدٌ لايتخلَّف، وَمِنْ مَعَانِيهَا تَظْهَرُ فيها حقائقُ الأمور.
ذَكَرَ اللهُ في هذه السُّورَةِ عدَّة أوصافٍ للقيامة رَغْمَ قِصَرِ آياتِهَا؛ ذَكَرَ: الحاقَّة والقارعة والواقعة.
قوله: {مَا الْحَاقَّةُ} :تَفْخِيمٌ لشأنها، وَتَعْظِيمٌ لِهَوْلِهَا.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} : أي أنَّهُ يَقَعُ فيها أُمُورٌ لا يتصوَّرُهَا العَقْلُ؛ أَمْرٌ هَائِلٌ جِدًّا.
لمَّا ذكر القيامةَ وَوَصَفَ شِدَّتَهَا وهولَها، ذَكَرَ مَنْ كَذَّبَ بها، وَمَا حَلَّ بهم بسبب التَّكذيب؛ تَذْكِيرًا لأهل مكَّة، وَتَخْوِيفًا لهم من عَاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ.
قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} :أَيْ: كذَّبت كلٌّ من ثمودَ وعادٍ بالقارعة.
والقَارِعَةُ أَيْ: تَقْرَعُ القُلُوبَ والآَذَانَ بِصَوْتِهَا وَأَهْوَالِهَا؛ فَهِيَ تُفْزِعُ مِنْ شِدَّةِ الأَهْوَالِ. وهذا زِيَادَةُ وَصْفٍ لِشِدَّتِهَا.
أمَّا سِرُّ تَقْدِيمِ ثَمُودَ وَعَادٍ على غيرها، فهوأنَّ العَذَابَ الَّذي أَصَابَهُمْ من قبيل القَرْعِ ومن قَبِيلِ الصَّواعق.
يقول الله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} .
قال ابْنُ عبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: «نَزَلَتْ عليهم صَاعِقَةٌ أَوْ صَوَاعِقُ، فَأَهْلَكَتْهُمْ» .
اللهُ - تعالى - مَا خَلَقَنَا لِيُعَذِّبَنَا؛ خَلَقَنَا ليختبرنا أيُّنا أَحْسَنُ عَمَلًا، وَيَجْزِي الَّذين أساؤوا بِمَا عَمِلُوا، وَيَجْزِي الَّذين أَحْسَنُوا بالحُسْنَى.
قوله: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} :ثَمُودُأُمَّةٌ قويَّةٌ بوادي القرى بمدائن صالح، أَعْطَاهُمُ اللهُ قُوَّةً وَثَرْوَةً وَغِنًى، وَلَكِنَّهُمْ كَفَرُوا باللهِ.
وَذَكَّرَهُمْ نَبِيُّهُمْ بِنِعَمِ الله عليهم، فقالوا: {إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} وطلبوا آَيَةً، فأعطاهم اللهُالنَّاقَةَآَيَةً.
وفي النِّهَايَةِ عَقَرُوها وقالوا: {يا صالحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} . فعذَّبهم اللهُ بالصَّيْحَةِ الشَّدِيدَةِ، فَقُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ في صُدُورِهِمْ، وماتوا عن بَكْرَةِأَبِيهِمْ.
صِيحَ بهم - والعياذُ بالله - مع الرَّجْفَةِ؛ فَفِي السَّمَاءِ أَصْوَاتٌ، وفي الأَرْضِ رَجَفَانٌ، أخذتهم الرَّجْفَةُ والصَّيْحَةُ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، {فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . والهَشِيمُ الشَّجَرُ اليابسُ المتهشِّمُ المتكسِّرُ.
قوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ} : عَادٌ في جنوب شَرْقِيِّ الجزيرة، أَعْطَاهُمُ اللهُ قُوَّةً في الأجسام، وطولًا، وأرسل اللهُ إليهم هودًا، ولكنَّهم عَصَوْا رَسُولَ ربِّهم وقالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟
فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِوَاسِطَةِ رِيحِ الدَّبُورِ؛ لقولهصلَّى الله عليه وسلَّم: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» متفق عليه.