جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
فأعطاهم اللهُ نِعَمًا عظيمةً، وأعطاهم قوَّةً، وَيَبْنُونَ بالجبال بيوتًا فارهين؛ أَيْ: حاذقين أو متكبِّرين.
فذكَّرهم بِنِعَمِ الله عليهم، ودعاهم إلى عبادة الله، فقالوا: ما أَنْتَ إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا، هَاتِآَيَةًإِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادقين.
وطلبوا الآيةَ تحدِّيًا وَتَعَنُّتًا وَتَعْجِيزًا لنبيِّ الله صالحٍ، فَأَخْرَجَ اللهُ لَهُمْ نَاقَةً عَظِيمَةً من صخرةٍ، ونبَّأهم أنَّ لها شِرْبَ يَوْمٍ، ولهم شِرْبُ يَوْمٍ.
وقال لهم: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} فَكَانَتْ تَشْرَبُ من البِئْرِ وَتَسْقِيهِم لبنًا يكفي البَلْدَةَ كلَّها.
آَيَةٌ عَظِيمَةٌ، فاستكبروا وما صَدَقُوا في وَعْدِهِم، وكذَّبوا واعتدوا على النَّاقةِ، فعقروها، فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ قَدَّارَ بْنِ سالفٍأحيمر ثمود، وهو من أقواهم وأشرافهم، فتعاطى، أي: مفتخرًا بنفسه.
وقيل: «تَجَرَّأَ على تعاطي الأمر العظيم» .
وقيل: «فَتَنَاوَلَ النَّاقَةَ بِيَدِهِ، فَعَقَرَهَا، وهو أشقى الأوَّلين والآخرين. ففي الحديث عند أحمد: عن عليٌّ- رضي الله عنه - قال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «أَشْقَى الأَوَّلِينَ عَاقِرُ النَّاقَةِ» . «السِّلْسِلَة الصَّحيحة» «مسند أحمد والحاكم والنَّسائيِّ» وَنَسَبَإليهم الفِعْلَ مَعَأنَّ الَّذي عَقَرَهَا وَاحِدٌ؛ لأنَّهم تمالؤوا وَرَضُوا بفعله، وكان في المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
قال ابنُ كثيرٍ: «أَخْبَرَ - سبحانه - عن طُغَاةِ ثَمُودَ وَرُءُوسِهِمُ الَّذِينَ كانوا دُعَاةَ قَوْمِهِم إلى الضَّلالة والكفر وتكذيب صالحٍ، وَآَلَ بِهِمُ الحَالُ إلى أنَّهم عقروا النَّاقة، وهمُّوا بقتل صالحٍ، فَأَتَوْهُ ليلًا ليبيِّتوه في أهله، فدمغتهم الملائكةُ بالحجارة» .
وهؤلاء الكَفَرَةُ الفَسَقَةُ كان من صفاتهم الإفسادُ في الأرض بكلِّ طَرِيقٍ يقدرون عليها.
قوله: {فَدَمْدَمَعَلَيْهِمْرَبُّهُمْبِذَنْبِهِمْ} :أي فدمَّر عليهم ربُّهم بذنبهم وكفرهم.
قوله: {فَسَوَّاهَا} : أي عَمَّهُمُ اللهُ بِعَذَابٍ، فصاح بهم جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحدةً، فقطَّعت قلوبَهم في أجوافهم؛ صيحةً واحدةً، مرَّةً واحدةً ما كرَّرها مَرَّاتٍ، فَقَضَتْ عليهم عَنْ بَكْرَةِأبيهم.
قوله: {وَلَايَخَافُعُقْبَاهَا} :أي الله لا يخاف من تَبِعَاتِإهلاكهم؛ فهلاكُهم عليه يَسِيرٌ، ولا يخاف منهم أن ينتصروا لأنفسهم، بِخِلافِ المخلوق؛ فقد يخاف؛ إمَّا لِنَقْصِ قُدْرَةٍأو إِرَادَةٍ.
ثمَّ نَجَّى اللهُ صَالِحًا والذين آمنوا معه، وهذه سُنَّةُ الله في خَلْقِهِ؛ بعد إقامة الحُجَّةِ على خَلْقِهِ يُنْزِلُ العَذَابَ على من كفر، وَيُنَجِّي الَّذين يَنْهَوْنَ عن السُّوء.
يَقُولُ اللهُ تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} .
فينجِّي اللهُ كلَّ من كان آَمِرًا وَنَاهِيًا، أمَّا من كان فاسقًا، أو صالحًا في نفسه فلا ينهى ولا يأمر؛ يعمُّهم اللهُ بالعذابِ.
وَسُمِّيَتْ بذلك؛ لافتتاحها به، فَأَقْسَمَ اللهُ باللَّيل وغشيانه في مطلع هذه السُّورة.
هذه السُّورةُ العظيمةُ الجليلةُ تتحدَّث عن عدَّة أمورٍ:
ابتدات السُّورَةُ بالقَسَمِ، فَأَقْسَمَ - سبحانه - بزمان السَّعي، وهو اللَّيل والنَّهار، ثمَّأقسم بالعامل والعمل، فأقسم بهذه الأشياء المتضادَّةِ، فجاء جوابُ القسم متنوِّعًا، ولا يخرج عن نوعين؛ النَّوْعُالأوَّلُ: أَحْسَنَ إلى خَلْقِ الله واتَّقى ربَّه، وصدَّق بوعده، وثوابه وعقابه، فَيَصْدُقُ عليه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} .