فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 581

قال اللهُ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} فأحبَّتْهُ بنو إسرائيلَ ومالوا إليه وإلى مُلْكِهِ عليهم، فكان من أَمْرِ طَالُوتَ ما كان.

وقيل: «إنَّ نَبِيَّهُمْ بعد المعركة عَيَّنَ دَاوُودَ مَلِكًا، وَصَارَ المُلْكُ إلى دَاوودَ - عليه السَّلامُ - وَجَمَعَ اللهُ لَهُ بَيْنَ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ، بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنيا والآخرة، وكان المُلْكُ يكون في سِبْطٍ، والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ آَخَرَ.

فاجتمع في داوودَ هذا وهذا، كما قال تعالى: {وَقَتَلَدَاوُودُجَالُوتَوَآتَاهُاللَّهُالْمُلْكَوَالْحِكْمَةَوَعَلَّمَهُمِمَّايَشَاءُ وَلَوْلَادَفْعُاللَّهِالنَّاسَبَعْضَهُمبِبَعْضٍلَّفَسَدَتِالْأَرْضُوَلَكِنَّاللَّهَذُوفَضْلٍعَلَاالْعَالَمِينَ} .

لولا إِقَامَةُ الملوك حكَّامًا على النَّاس، لأَكَلَ قَوِيُّ النَّاس ضعيفَهم. ولهذا جاء في بعض الآثار: «السُّلْطَانُ ظِلُّ الله في أَرْضِهِ» .

وقال أميرُ المؤمنين عُثْمَانُ بْنِ عَفَّانَ: «إنَّ اللهَ لَيَزَعُ بالسُّلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن» .

-فَضَائِلُ دَاوُودَ:

يَقُولُ الله تعالى: {لَقَدْآتَيْنَادَاوُودَمِنَّافَضْلًا} آَتَاهُ اللهُ نُبُوَّةً، وكتابًا وعلمًا وملكًا. {يَاجِبَالُأَوِّبِيمَعَهُوَالطَّيْرَ} وقلنا للجبال والطَّير: سبِّحي معه.

أُعْطِيَ داوودُ مِنْ حُسْنِ الصَّوت ما لم يُعْطَ أَحَدٌ قَطُّ؛ {إِنَّاسَخَّرْنَاالْجِبَالَمَعَهُيُسَبِّحْنَبِالْعَشِيِّوَالْإِشْرَاقِ} ؛ أي: عِنْدَ آَخِرِ النَّهار وأوَّله.

وذلك أنَّه كان الله- تعالى - قد وَهَبَهُ من الصَّوت العظيم ما لم يُعْطَهُ أَحَدٌ، بحيث إنَّه كان إذا تَرَنَّمَ بِقِرَاءَةِ كتابه الزَّبُورِو مَجَّدََالله، يقف الطَّيْرُ في الهواء يُرَجِّعُ بترجيعه، وَيُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ، كذلك الجِبَالُ تُجِيبُهُ وَتُسَبِّحُ معه كلَّمَا سَبَّحَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا صلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ.

كان مع هذا الصَّوت الرَّخيم سَرِيعَ القراءة لكتابه الزَّبور.

خُفِّفَ على داوود القرآن، فكان يأمر بدوابِّه فتسرج، فيقرأ القرآنَ قَبْلَ أَنْ تَسْرِجَ دَوَابُّهُ.

وهذا أَمْرٌ سَرِيعٌ مع التَّدبُّرِ والتَّرَنُّمِ والتَّغَنِّي به على وجه التَّخشُّع صَلَوَاتُ الله وسلامُه عليه.

وعندنا في الإسلام «مامنمُلبٍّيلبِّيإلَّالبَّاماعنيمينِهوشمالِهمنحجرٍأوشجرٍأومَدَرٍحتَّاتنقطعَالأرضُمنههناعنيمينِهوشمالِه» رواه ابن ماجة و المنذري و الطبراني.

«آتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا» والزَّبورُ كتابٌ مشهور، وأنَّه أُنْزِلَ في شهر رمضان، وفيه من المواعظ والحِكَمِ ما هو معروفٌ لِمَنْ نَظَرَ فيه».

{وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ} ، فكان كالعَجِينِ يتصرَّف فيه كيف يشاء.

وعلَّمه اللهُ صِنَاعَةَ الدُّرُوعِ من الحديد؛ لِيُحَصِّنَ المقاتلةَ من الأعداء. وَأَرْشَدَهُ إلى صَنْعَتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا.

{أَنِاعْمَلْسَابِغَاتٍوَقَدِّرْفِيالسَّرْدِ} أي: السَّردُ لا يكون دَقِيقًا فينكسر، ولا غليظًا فيثقل؛ حتَّى تكون دروعًا تامَّاتٍ واسعاتٍ.

وَقَدِّرِ المسامير في حِلَقِ الدُّروعِ؛ فلا تدقِّق المسمارَ، فلا تَعْمَلِ الحَلْقَةَ صغيرةً، فَتَضْعُفَ، فلا تقوى الدُّرُوعُ على الدِّفاع، ولا تَجْعَلْهَا كَبِيرَةً، فَتَثْقُلَ على لابِسِهَا.

كان يَعْمَلُ كلَّ يَوْمٍ دِرْعًا يبيعها بِسِتَّةِآلافِ دِرْهَمٍ. وقد ثبت في الحديث الصَّحيح: «إِنَّ أَطْيَبَ ما أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُودَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ» . رواه البخاري بلفظ من عمل يده.

واعْمَلْ يا دَاوودُ أَنْتَ وَأَهْلُكَ بِطَاعَةِ اللهِ.

{وَاذْكُرْعَبْدَنَادَاوُودَذَاالْأَيْدِ إِنَّهُأَوَّابٌ} قال ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهدٌ: «الأيد: القوَّةُ في الطَّاعة. يعني: ذا قوَّةٍ في العبادة والعمل الصَّالح» .

قال قتادةُ: «أُعْطِيَ قُوَّةً في العبادة وَفِقْهًا في الإسلام» . قال: «إنَّه كان يقوم اللَّيْلَ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت