فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 581

كيف عَلِمَ سيِّدُنا موسى أنَّ اللهَ غَفَرَ له؟ قِيلَ: «أَلْهَمَهُ اللهُ» ، {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} أي: من العِزّ، ِ والجاه، و بالتَّوبة، والمغفرة، والنِّعم الكثيرة.

فَعَاهَدَ اللهَ أنَّه لن يكون ظهيرًا ولا مساعدًا لمجرمٍ؛ {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ} أي: معينًا ومساعدًا.

{لِلْمُجْرِمِينَ} أي: لا أُعِينُ أَحَدًا على معصيةٍ. هذا يفيد أنَّ النِّعَمَ تَقْتَضِي من العَبْدِ فِعْلَ الخير، وَتَرْكَ الشَّرِّ.

فلا تَكُنْ مع المُجْرِمين والأقْوِياء الظَّالمين، ولا تنْصُرِ الظَّالمين، إيَّاك أن تقفَ مع الظَّالم، وإيَّاك أن تُقِرَّهُ، وأن تُعْطِيَهُ إشارَةً بِعَيْنَيْكَ.

{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} أي: يتلفَّت؛ خَشْيَةَ أن يَكْشِفَأَمْرَهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ فرعون.

الإنسانُ حينما يُصاب بِمُشْكِلَةٍ ينْبغي أن يُراجِعَ نفْسَهُ، والله تعالى غَنِيٌّ عن تَعْذيبِهِ.

يُخْبِرُ- تعالى - أنَّ موسى - عليه السلام - أصبح بمدينة مِصْرَ خَائِفًا - أي: من فرعون وملأه - أن يَعْلَمُوا أنَّ هذا القتيلَ الَّذي رُفِعَ إليه أمرُه إنَّما قتله موسى في نُصْرَةِ رَجُلٍ مِنْ بني إسرائيل؛ فَتَقْوَى ظنونُهم أنَّ موسى منهم ويترتَّب على ذلك أَمْرٌ عَظِيمٌ.

{فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} على قِبْطِيٍّ آَخَرَ.

{قَالَ لَهُ مُوسَى} مُوَبِّخًا على حاله: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} ولامَهُ على كَثْرَةِ شرِّه، ومخاصمته لمَّا أراد أن يبطش بذلك القبطيِّ، الَّذي هو عدوٌّ لموسى وللإسرائيليِّ فَيَرْدَعَهُ عنه ويخلِّصه منه.

فلمَّا عَزَمَ على ذلك وَأَقْبَلَ على القبطيِّ قال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِين} .

ويحتمل أنَّ قَائِلَ هذا هو الإسرائيليُّ، وعليه يكون الرَّجُلُ من بني إسرائيل ظنَّ أنَّه يريد أن يضربه، فلمَّا سمع القبطيُّ: {أَتُرِيدُ أن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} ذَهَبَ إلى قصر فرعون وقال: إنَّ القاتلَ هو موسى.

فَأَرْسَلَ في طَلَبِهِ، وسبقهم رَجُلٌ نَاصِحٌ من طَرِيقٍ أَقْرَبَ إليه، قيل: «إنَّه أبو زَوْجِةِ فرعون» وهو الرَّجل الَّذي آَمَنَ مِنْآَلِ فِرْعَوْنَ فيما بَعْدُ.

وهكذا انتهت مرحلةُ الإعداد الأولى الَّتي بدأت باحتضان موسى - عليه السلام -، وانتهت بِطَرْدِهِ، وكلاهما مُفِيدٌ، بدأت على يَدِ أُمِّهِ، وانتهت في قصر فرعون مُدَّةَ ثلاثين عامًا.

وسيخرج الآنَ لمدَّة عَشْرِ سَنَوَاتٍ إلى مَدْيَنَ.

-فَوَائِدُ وَعِبَرُ المرحلة الثَّانية:

1 -عنايةُ الله بموسى - عليه السلام -؛ فلا ينتقل من حالةٍ إلى حالةٍ، إلاَّ والله - تعالى - هو الَّذي دبَّر ذلك لمصلحة موسى - عليه السلام -.

2 -نتعلم الاختيار الصَّحيح والتَّوكُّل على الله، ففي توكُّل أمِّ موسى واعتماد موسى - عليه السلام - على ربِّه في خروجه أَكْبَرُ دَلِيلٍ على ذلك.

3 -نَدَمُ موسى - عليه السلام - حينما وَكَزَ الرَّجل، وسأل المغفرة، فغفر له.

4 - {وَقَتَلْتَ نَفْسًا} نجَّاه اللهُ من الغَمِّ من عقوبة الذَّنب، ومن القتل.

5 - {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} أي: اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك مستقيمًا في أحوالك. أو: نَقَلْنَاكَ في أحوالك، وأطوارك، حتَّى وصلتَ إلى ما وصلتَ إليه.

6 - {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} أي: جِئْتَ مجيئًا قد مضى به القَدَرُ، وَعَلِمَهُ اللهُ وَأَرَادَهُ؛ فليس مجيئُك اتِّفاقًا من غَيْرِ قَصْدٍ ولا تدبيرٍ منَّا.

7 - {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أي: أراده لنفسه، واصطفاه مِنْ خَلْقِهِ، أي: أجريتُ عليك صنائعي، ونِعَمِي، وحُسْنَ عوائدي، وتربيتي؛ لتكون لنفسي حبيبًا مختصًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت