{ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} مستريحًا لتلك الظِّلال بعد التَّعَبِ، فَقَالَفي تلك الحالة، مسترزقًا ربَّه {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أنا مُفْتَقِرٌ إلى عَفْوِكَ، وَرَحْمَتِكَ، وَبِرِّكَ، وإحسَانِكَ، وَعَرَضَ حَالَهُ على الله.
أمَّا المرأتان، فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى. {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} هذا يدلُّ على كَرَمِ عُنْصِرِهَا، وَخُلُقِهَا الحسن؛ فإنَّ الحَيَاءَ مِنَ الأَخْلاقِ الفاضلة؛ {إن أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} أي: يكافئك على إحسانك.
{فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارًا من فرعونها. والمقصود أنَّه لمَّا أضافه وأكرم مَثْوَاهُ وقصَّ عليه ما كان من أمره، بَشَّرَهُ بِأَنَّهُ قد نَجَا.
فعند ذلكقالت إحدى البنتين لأبيها: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} أي: لِرَعْيِ غَنَمِكَ، ثمَّ مَدَحَتْهُ بأنَّه قَوِيٌّ أَمِينٌ.
لمَّا قالت ذلك قال لها أبوها: وما عِلْمُكِ بهذا؟ فقالت: إنَّه رَفَعَ صَخْرَةً لا يُطِيقُ رَفْعَهَا إلاَّ عَشَرَةٌ، وإنَّه لمَّا جئتُ معه تقدَّمتُ أمامَه فقال: كوني مِنْ وَرَاءِي، فإذا اختلف الطَّرِيقُ فَاحْذِفِي لي بِحَصَاةٍ أَعْلَمُ بها كَيْفَ الطَّريقُ.
-الفَوَائِدُ وَالعِبَرُ وَالعِظَاتُ مِنَ المرحلة الثَّالثة:
1 -إذا خاف الإنسانُ القَتْلَ والتَّلَفَ في الإقامة، فإنَّه لا يُلْقِي بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ عند تزاحم المَفْسَدَتَيْنِ إذا كان لابدَّ من ارتكاب أقلِّهما، كما حصل لموسى - عليه السلام - في ذهابه لِمَدْيَنَ مَعَ كَوْنِهِ لا يعرف الطَّريقَ، وليس معه دَلِيلٌ يَدُلُّهُ غَيْرُ ربِّه.
2 -خروج موسى - عليه السلام - من مصر واثقًا بربِّه متوكِّلًا عليه مسندًا أَمْرَهُ إليه.
3 -جَوَازُ خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرِّجال من غير محذورٍ.
4 -لا ينبغي أن نَحْكُمَ على الأمور إلاَّ بعد أن نعرف الأسباب؛ لِقَوْلِ موسى للمرأتين: {مَا خَطْبُكُمَا} .
5 -قوله: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} إنَّ الحَيَاءَ- خصوصًا من الكرام وفي النِّساء خاصَّةً ـ من الأخلاق الممدوحة؛ فحياءُ هذه المرأة يدلُّ على كَرَمِ عُنْصُرِهَا وخُلُقِهَا الحَسَنِ.
6 -إذا خرجت المرأةُ مِنْ بَيْتِهَا استشرفها - أي: زيَّنها - الشَّيطانُ في أَعْيُنِ النَّاس، فعلى العاقل أن يَغُضَّ بَصَرَهُ.
خروجُ مُوسَى - عليه السلام - من مَدْيَنَ وَذَهَابُهُ إلى مصر وتَكْلِيفُهُ بالرِّسالة، وكيف كان ابتداءُ الوَحْيِ إليه وتكليمه إيَّاه، ذلك بعدما قضى موسى الأَجَلَ الَّذي كان بَيْنَهُ وَبَيْنَ صِهْرِهِ في رِعَايَةِ الغنم.
وَسَارَ بِأَهْلِهِ قيل: قاصدًا بلادَ مصر بعدما طَالَتِ الغَيْبَةُ عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فَضَلَّ الطَّريقَ، وكانت ليلةً شاتيةً فِيهَا بَرْدٌ، وشتاءٌ، وسحابٌ، وظلامٌ، وضبابٌ، وغيومٌ، وبلا نجومٍ، وباردةٌ.
وتاه في الطَّريق، واحتاج إلى نَارٍ يستدفئون بها، وجعل يقدح بزندٍ معه ليوري نارًا كما جرت له العادةُ به، فجعل لا ينقدح شيءٌ، ولا يخرج منه شَرَرٌ ولا شَيْءٌ، فبينما هو كذلك في حَرَجٍ، وظلامٍ، وَبَرْدٍ إِذْ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نارًا؛ أي: ظَهَرَتْ لَهُ نَارٌ مِنْ جَانِبِ الجبل الَّذي هناك عن يمينه.
{آَنَسْتُ نَارًا} أي: شَاهَدْتُ، وَرَأَيْتُ، وأَحْسَسْتُ على مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ.
قال لأهله: {امْكُثُوا} أي: انتظروا مكانَكم وابْقَوْا فيه.
{لَّعَلِّي آتِيكُم} أي: سأذهب إلى تلك النَّار وهي على مسافةٍ بعيدةٍ مِنْأَجْلِأَمْرَيْن؛ أي: مهمُّته أمران: البَحْثُ عن خَبَرٍ وإرشادٍ للطَّريق، أو شِهَابٍ.
{لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} [طه: 10] ؛ أَيْ: شِهَابًا من نارٍ، وفي الآية الأخرى: {أو جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ} [القصص: 29] ، وهي الجَمْرُ الَّذي معه لَهَبٌ، {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] ، دلَّ على وجود البَرْدِ، وقولهتعالى: {بِقَبَسٍ} [طه: 10] ، دَلَّ على وجود الظَّلام.