هو من أنبياءِ بَنِي إسرائيل، والرُّسُلِ الكِرَامِ.
آتاه اللهُ النُّبُوَّةَ والمُلْكَ، وَجَمَعَ اللهُ له بين المُلْكِ والنُّبُوَّةِ، بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنيا والآخرة، وكان المُلْكُ يَكُونُ في سِبْطٍ، والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ آَخَرَ، فاجتمع في دَاوودَ هذا وهذا، وَوَرَدَ منصوصًا عليه في الأنبياء في سورة النِّساء، وَذَكَرَ اللهُ دَاوودَ في سِتَّةَ عَشَرَ مَوْضِعًا في القرآن.
كانت بَنُو إسرائيل تَسُوسُهُمُ الأنبياءُ، وقد مرَّت على بني إسرائيل فَتَرَاتٌ وَهُمْ في بيت المَقْدِسِ مُضْطَهَدِينَ ومهزومين، وَسُلِبَ منهم التَّابوتُ الَّذي فيه سَكِينَةٌ وَبَقِيَّةٌ ممَّا تَرَكَآلُ مُوسَى وآلُ هَارُونَ.
وَعَلِمُوا أنَّ السَّبِيلَ الوَحِيدَ هو الجهادُ في سبيل الله، فقالوا لِنَبِيٍّ لهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ في سبيل الله.
ولكنَّ النَّبيَّ يَعْرِفُ طَبِيعَتَهُمْ، فأراد أن يستوثق منهم، فقال: «هَلْعَسَيْتُمْإِنكُتِبَعَلَيْكُمُالْقِتَالُأَلَّاتُقَاتِلُوا» فأظهروا الاستعدادَ، فلمَّا أظهروا حَمَاسَهُمْ وانْدِفَاعَهُمْ، جَاءَهُ الوَحْيُ من الله أنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ عَلَيْكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا.
فسقطوا في أوَّل امتحانٍ، وظهر شدَّةُ حبِّهم للدُّنيا، وعدم التَّسليم لأمر الله، واعترضوا على القائد؛ لأنَّه ليس من بيت الملك، وَفَقِيرٌ، مع أنَّه عُيِّنَ من عند الله.
فبيَّن لهم نبيُّهم سَبَبَ اختياره؛ لقوَّته الجسميَّة والعلميَّة وقدرته على القيادة، وتحمُّل أعباء القتال، وأكَّد لهم نبيُّهم أنَّ علامة صحَّة تَوَلِّيهِ المُلْكِ أن يأتيهم التَّابوتُ بدون قتالٍ، ولا حربٍ، ستحمله الملائكةُ، وتأتي به إليهم. وهذا دَلِيلٌ على أنَّ طالوتَ هو المَلِكُ مِنْ عند الله.
والسَّكينَةُ هي الرَّاحَةُ والرِّضا واليقينُ. وفي هذا التَّابوت أشياءُ مادِّيَّةٌ وَرِثُوهَا عن آَلِ مُوسَى وَآَلِ هَارُونَ.
ولمَّا تسلَّم طالوتُ القِيَادَةَ وأطاعه القومُ مُكْرَهِينَ، وعبَّأ قومَه للقتال، وجهَّزهم لمحاربة الأعداء، ولمَّا خرج بهم للمعركة الفاصلة، أراد أن يختبر حماسَتَهُمْ وطاعَتَهُمْ.
{إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنَْشِرَب مِنْهُ} فلا يُقَاتِلْ مَعِي. {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} فليقاتل معي. وَجَعَلَ لَهُمْ رُخْصَةَ شُرْبِ غَرْفَةٍ، فشربوا منه إلاَّ قليلًا؛ و قد كانوا ثمانين ألفًا، وما بَقِيَ مَعَهُ إلاَّأَرْبَعَةُآلافٍ.
فلمَّا جاوزه هو والَّذين آمنوا معه حَصَلَ لهم اختبارٌآَخَرُ قَبْلَ أن تَنْشَبَ المعركةُ، وهو أنَّ بَعْضَهُمْ قالوا: {لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البقرة: 249] وَهُمُ الأَكْثَرِيَّةُ، ولا قُدْرَةَ لنا على حَرْبِهِمْ.
ولم يَبْقَ مع طَالُوتَ - عليه السَّلامُ - إلاَّ عَدَدٌ قُدِّرَ بثلاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
ولمَّا تَقَدَّمَ طالوتُ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنين من بني إسرائيل إلى جالوت ومن معه من المشركين، وتصافُّوا للقتال، طلب ملكُهم جالوتُ قَبْلَ بَدْءِ المعركة المُبَارَزَةَ، فتقدَّم إليه فتًى شجاعٌ يُسمَّى داوودُ، وَهُوَ مِنْ سِبْطِ يهوذا بْنِ يعقوبَفي جَيْشِ طَالُوتَ.
فلمَّا أَقْبَلَ دَاوودُ على جَالُوتَ، احْتَقَرَهُ جَالُوتُ وَازْدَرَاهُ وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ؛ فإنِّي أَكْرَهُ قَتْلَكَ، فما كان مِنْ داوودَ إلاَّ أَنْ قَالَ لَهُ بكلِّ شجاعةٍ وجُرأةٍ: ولكنِّي أحبُّ قتلك.
ثمَّ حَصَلَتْ مُبَارَزَةٌ بين جالوت الطَّاغية وبين داوودَ - عليه السَّلامُ - فَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ شَرَّ قِتْلَةٍ، ثمَّ التحم القتالُ، وانهزم جيش جَالُوتَ مِنَ المشركين شَرَّ هَزِيمَةٍ.
تقدَّم أنَّه لمَّا قُتِلَ جالوتُ، وكان قَتْلُهُ - فيما ذكر ابن عساكر - عند قَصْرِ أمِّ حَكِيمٍ بقرب مَرْجِ الصفر، وقد ذكر ابنُ جريرٍ في «تاريخه» : أنَّ جَالُوتَ لمَّا بَارَزَ طَالُوتَ، قال له: اخْرُجْ إِلَيَّ أو أَخْرُجْ إليك. فَنَدَبَ طالوتُ النَّاسَ، فانْتَدَبَ داوودَ، كان داوودُ وهو ذاهبٌ إلى المعركة يناديه الحَجَرُ يقول: خُذْنِي يا داوودُ تَقْتُلْ بي عدوَّ الله، فَرَدَّ الحَجَرَ الأوَّلَ، وَرَدَّ الحَجَرَ الثَّاني، وَأَخَذَ الحَجَرَ الثَّالِثَ أَوِ الرَّابِعَ معه.
فلمَّا أَخَذَهُ معه، بَرَزَ جَالُوتُ كالعَادَةِ، وَفَرَّ النَّاسُ منه، واسْتَأْذَنَ دَاوُودُ طَالُوتَ، فلم يَأْذَنْ له لِقِصَرِ قَامَتِهِ وَصِغَرِ سِنِّهِ، ثمَّ أَذِنَ له بعد إلحاحِه، فضرب داوودُ جالوتَ بِمِقْلاعِهِ فَقَتَلَهُ.