عِنْدَهَا أَوْحَى اللهُ إِلَى نُوحٍأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ مَنْ قَدْ آَمَنَ، فَدَعَا بِدَعْوَتَيْنِ، وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} .
دعا عليهم بدعوةٍ محيطةٍ تستأصلهم عن بَكْرَةِأبيهم، لاتَدَعُ أَحَدًا منهم يدور في الأرض.
فَأَمَرَهُ اللهُ بِصِنَاعَةِ الفُلْكِ بِأَمْرِهِ وَوَحْيِهِ، وَأَمَرَهُأَنْ يَرْكَبَ فيها هو ومن آَمَنَ مَعَهُ، وَيَحْمِلَ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؛ حتَّى يَبْقَى النَّسْلُ، فكان الطُّوفَانُ الَّذي غَطَّى الجِبَالَ، فَفَجَّرَ اللهُ الأرضَ عُيُونًا وَفَتَحَأَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ.
فأخذهم اللهُ أَخْذَ اسْتِئْصَالٍ حتَّى إنَّه لم يُبْقِ لَهُمْ نَسْلًا على وَجْهِ الأرض، ولم يَنْجُ إلاَّأَصْحَابُ السَّفِينَةِ، وَأَكْرَمَ اللهُ نُوحًا أَنْ جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ هم الباقين.
قوله: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} اتَّصَلَ عَذَابُ الدُّنيا بعذاب الآخرة.
وخُتِمَتِ السُّورةُ بِدَعْوَةِ نُوحٍ للمؤمنين وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ بِشَرْطِأَنْ يكون مؤمنًاوللمؤمنين والمؤمنات.
قوله: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} :أي هلاكًا وخسرانًا في الدُّنيا والآخرة.
تمَّت. ولله الحمدُ والمِنَّةُ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لأنَّ مِحْوَرَ السُّورَةِ يَدُورُ حَوْلَ الجِنِّ.
والجِنُّ أمَّةٌ كالإِنْسِ، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ، وَمِنْهُمُ الفَاسِقُونَ، وليس كلُّهُمْ فَجَرَةً وَفَسَقَةً كَمَا يَظُنُّ الكَثِيرُ؛ فَهُمْ عَالَمٌ خَفِيٌّ.
وهذه السُّورَةُ تتحدَّث عن عدَّة أُمُورٍ:
-ابتدأت السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بالإخبار عن استماع نَفَرٍ من الجنِّ للقرآن، وتأثُّرهم به، ثمَّ ذَكَرَ اللهُ تَمْجِيدَهُمْ وَتَنْزِيهَهُمْ له، وإفرادَهم له بالعبادة، وتسفيهَهم لمن جعل لله ولدًا.
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ اسْتِرَاقَ الجِنِّ للسَّمْعِ، ثمَّ مَنْعَهُمْ بالملائكة، وإرسالَ الشُّهُبِ عليهم بَعْدَ بَعْثَةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ انقسامَ الجنِّ إلى فريقين: مؤمنين، وكافرين، وَعَاقِبَةَ كلٍّ من الفَرِيقَيْنِ؛ {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} .
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ دَعْوَةَ نبيِّنا مُحَمَّدٍ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكيف كادت العَرَبُ تكون جميعًا في إطفاء نُورِ الله، ثمَّ ذَكَرَ اللهُأَمْرَهُ لِرَسُولِهِأَنْ يُعْلِنَ لهؤلاء الأَعْدَاءِ لِدَعْوَتِهِإِسْلامَهُ، واسْتِسْلامَهُ وَخُضُوعَهُ لله، وَإِفْرَادَهُ بالعبادة، وإخلاصَ العَمَلِ له، والتَّبرِّي من الحَوْلِ والقُوَّةِ.
ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُ بِبَيَانِ اخْتِصَاصِ اللهِ - جلَّ وعلا - بمعرفة الغَيْبِ، وأنَّ الوَحْيَ تَحْرُسُهُ الملائكةُ مِنْ تَدَخُّلِ الشَّياطين؛ فهو مَحْفُوظٌ وَمَحْرُوسٌ.
وقبل الدُّخول في تفسير سورة الجنِّ هناك أَوْجُهُ اتِّفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وهناك أَوْجُهُ اخْتِلافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.
أمَّا صِلَتُنَا بالجِنِّ وَصِلَتُهُمْ بِنَا فَأْرَبَعَةٌ؛ أَوْجُهُ التَّشابه بيننا وبين الجنِّ أَرْبَعَةٌ؛
(1) - الموتُ: فكلُّنا مخلوقون نموت ونحيا، وَقَهَرَ اللهُ الجَمِيعَ بالموت.
(2) - التَّكْلِيفُ: الجِنُّ مُكَلَّفُونَ مِثْلَ البشر بالإيمان وشرائع الأنبياء ومطالبون بها.