فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 581

والسَّادسة: {وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِين} .

-أَسْبَابُ استضعاف بنيإسرائيل مِنْ قِبَلِ فرعون:

لماذا يفعل فرعون هذا مع بني إسرائيل ويذلُّهم كلَّ هذا الذُّلَّ والظُّلم؟ يقولون: لشيئين؛ لبشارةٍ ولرؤيةٍ.

أمَّا البشارةُ فهي أنَّ بني إسرائيل تناقلوا فيما بينهم أنَّ سيِّدَنَا يُوسُفَ بُشِّرَ قبل أن يموت أنَّ ابْنًا من أبناء بني إسرائيل - أي مِنْ أحفاده - سيخرج لِيُزِيلَ الظُّلْمَ عن بني إسرائيل، يكسر الظُّلْمَ، وَيَرْفَعُ العَدْلَ، وبدأت هذه البشارةُ تَنْتَقِلُ إلى أن وَصَلَتْ إلى فرعون.

وقيل: إنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى في منامه كأنَّ نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دُورَ مِصْرَ وَجَمِيعِ القِبْطِ، ولم تضرَّ بني إسرائيل.

فلمَّا استيقظ، هَالَهُ ذلك، فَجَمَعَالكَهَنَةَوَالحُزَاة والسَّحَرَةَ، وسألهم عن ذلك، فقال له الكَهَنَةُ: هذا غلامٌ يُولَدُ من بني إسرائيل، يكون سَبَبُ هلاكِ أَهْلِ مِصْرَ على يديه.

فلهذا أَمَرَ بِقَتْلِ الغلمان، وَتَرْكِ النِّسوان من بني إسرائيل؛ حذرًا من وجود هذا الغلام، ولن يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ.

-المرحلة الأولى: وِلادَةُ مُوسَى عليه السَّلامُ.

وَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللهُ نِعْمَتَهُ عليه، وَقْتَ التَّربية، والتَّنقُّلات في أطواره، فقال: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} .

حيث أَلْهَمْنَا أُمَّكَ أَنْ تَقْذِفَكَ في التَّابوت وَقْتَ الرَّضاع، خوفًا من فرعون {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} فكلُّ مَنْ رَأَىَهُ أَحَبَّهُ {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} وَلِتَتَرَبَّى على نَظَرِي وفي حِفْظِي وَكَلَاءَتِي.

وَأَيُّ نَظَرٍ وَكَفَالَةٍ أَجَلُّ وأكملُ من ولاية البَرِّ الرَّحيم القادر؟!

فلا ينتقل من حالةٍ إلى حالةٍ، إلاَّ واللهُ - تعالى - هو الَّذي دَبَّرَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ مُوسَى.

والمقصودُ أَنَّ فِرْعَوْنَ احْتَرَزَ كلَّ الاحتراز أَنْ لا يوجد موسى، حتَّى جعل رجالًا وقوابلَ يدورون على الحَبَالَى، وَيَعْلَمُونَ مِيقَاتَ وَضْعِهِنَّ، فلا تَلِدُ امْرَأَةٌ ذَكَرًا إلاَّ ذَبَحَهُ أولئك الذَّبَّاحُونَ من سَاعَتِهِ.

وَبَعْدَ حِينٍ اكْتَشَفَ الأَقْبَاطُ أنَّ قَتْلَ ولدانهم قَتْلُ الذُّكور، وخشوا أن تتفانى الكبارُ مع قتل الصِّغار، فيصيرون هم الَّذين يلون ما كان يَلِيهِ بنو إسرائيل من الأعمال الشَّاقَّة.

فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ الأبناء عامًا، وأن يُتْرَكُوا عامًا، فَوُلِدَ هارونُ - عليه السَّلامُ - في عام المُسَامَحَةِ عن قتل الأبناء، وَوُلِدَ موسى - عليه السَّلامُ - في عَامِ قَتْلِهِمْ، فضاقت أُمُّهُ بِهِ ذَرْعًا، واحترزت مِنْ أَوَّلِ ما حَبَلَتْ به.

وَلَمْ يَكُنْ يَظْهَرُ عَلَيْهَا مَخَايِلُ الحَبَلِ، فلمَّا وضعت أُلْهِمَتْ أَنِ اتَّخَذَتْ له تَابُوتًا، فَرَبَطَتْهُ في حَبْلٍ، وكانت دارُها متاخمةً للنِّيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت مِنْ أَحَدٍ، وَضَعَتْهُ في ذلك التَّابوت، فَأَرْسَلَتْهُ في البحر، وَأَمْسَكَتْ طَرْفَ الحبل عندها.

فإذا ذهبوا اسْتَرْجَعَتْهُ إليها به، فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ. قال اللهُ تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُّوًا وَحَزَنًا} .

واللهُ غَالِبٌ على أمره، وكأنَّه القدر يقول: يا أيُّها المَلِكُ الجبَّارُ، المغرورُ بكثرة جنوده، وسُلْطَةِ بأسه، واتِّساع سلطانه، قد حَكَمَ العظيمُ الَّذي لا يُغالَب ولا يُمانع، ولا تُخالَف أقدارُه أنَّ هذا المَوْلُودَ الَّذي تحترز منه، وقد قتلتَ بسببه من النُّفوس ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى، لا يكون مربَّاه إلاَّ في دارك وعلى فراشك، ولا يغذَّى إلاَّ بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الَّذي تتبنَّاه وتُرَبِّيهِ وتتعدَّاه، ولا تطَّلع على سرِّ معناه.

ثمَّ يكون هلاكُك في دنياك وأُخْرَاكَ على يديه؛ لمخالفتك ما جاءك به من الحقِّ المبين {وَنُرِيَفِرْعَوْنَوَهَامَانَوَجُنُودَهُمَامِنْهُممَّاكَانُوايَحْذَرُونَ} .

فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بموسى في عام الذَّبْحِ، وأوحى اللهُإِلَيْهَا {أَنْأَرْضِعِيهِ فَإِذَاخِفْتِعَلَيْهِفَأَلْقِيهِفِيالْيَمِّ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت