نبيِّ الله سليمان ابْنِ نَبِيِّ الله دَاوُودَ عليهما السَّلامُ.
لقد آَتَاهُ اللهُ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ، وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ في الحكم والنُّبُوَّةِ. وليس المُرَادُإِرْثَهُ في المال.
قد ثَبَتَ في «الصِّحاح» أنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «لَا نُوَرَّثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ» .
وفي لَفْظٍ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ» . فالأنبياءُ لا تُوَرَّثُ أَمْوَالُهُمْ عنهم كما يورَّث غيرُهم، بل تَكُونُ أموالُهم صَدَقَةً مِنْ بَعْدِهِمْ على الفقراء والمحتاجين.
وفي الحديث عند ابن ماجه «أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ المَقْدِسِ سَأَلَ اللهَ ثلاثًا؛ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وألاَّ يَأْتِيَ هذا المَسْجِدَ أَحَدٌ لا يريد إلاَّ الصَّلاة فيه، إلاَّ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» .
فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيهِمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ» .
وهذا يَرُدُّ خُزَعْبَلَاتِ اليَهُودِ في الهَيْكَلِ وبيت القُرْبَانِ. وكلُّ ما في الأمر أنَّ يَعْقُوبَأسَّسَهُ، وَسُلَيْمَانَ رَفَعَهُ وَأَقَامَهُ.
وَقَدْ سَأَلَ ثَلاثَ خِلالٍ:
-سَأَلَ حُكْمًا يوافق حُكْمَ الله؛ فَحَكَمَ في الغنم الَّتي أَكَلَتِ الكَرْمَ أن تُقَوَّمَ، فكانت قِيمَتُهَا توافق قِيمَةَ الكَرْمِ، فَدَفَعَهَا إلى صاحبِ المَزْرَعَةِ.
-الدَّعْوَةُ الثَّانِيَةُ: سألاللهَ مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ من بَعْدِهِ؛ فَآَتَاهُ اللهُ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ والعلمَ والحِكْمَةَ، وسخَّر له الجِنَّ.
لمَّا تَرَكَ الخَيْلَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله، عَوَّضَهُ اللهُعنها الرِّيحَ الَّتي هي أَسْرَعُ سَيْرًا، وأقوى وَأَعْظَمُ، ولا كُلْفَةَ عَلَيْهِ لها، تجري بأمره رُخَاءً {حَيْثُ أَصَابَ} أي: حَيْثُ أَرَادَ مِنْ أَيِّ البلاد، كان له بساطٌ مركَّبٌ من أخشابٍ بحيث إنَّه يَسَعُ جَمِيعَ ما يحتاج إليه.
فإذا أراد سفرًا، أَمَرَ الرِّيحَ، فَدَخَلَتْ تَحْتَ المَرْكَبِ من الخَشَبِ فَرَفَعَتْهُ، فإذا استقلَّ بين السَّماء والأرض، أَمَرَ الرُّخَاءَ فَسَارَتْ به، فإن أَرَادَ أَسْرَعَ من ذلك، أَمَرَ العاصفةَ فَحَمَلَتْهُ أَسْرَعَ ما يَكُونُ فَوَضَعَتْهُ في أيِّ مَكَانٍ شَاءَ.
وَغُدُوُّهَا شَهْرٌ؛ ما يُقْطَعُ في شَهْرٍ تَقْطَعُهُ الرِّيحُ في غُدُوِّهَا. وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ.
وَسَخَّرَ اللهُ لَهُ مِنَ الجِنِّ عُمَّالًا يَعْمَلُونَ له ما يشاء، لا يَفْتُرُونَ، ولا يَخْرُجُونَ عن طاعته، وَمَنْ خَرَجَ منهم عن الأَمْرِ عذَّبَه.
مِنْهُمْ مَنْ قد سَخَّرَهُ في البناء، ومنهم من يَأْمُرُهُ بالغَوْصِ في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر، واللآَلِئِ، وغير ذلك؛ {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الاصْفَادِ} أي: قد عَصُوا فَقُيِّدُوا.
{مُقَرَّنِينَ} : اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ في الأَصْفَادِ، وهي القُيُودُ.
{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} هي الأَمَاكِنُ الحَسَنَةُ، وَصُدُورُ المَجَالِسِ.
{وَتَمَاثِيلَ} هِيَ الصُّوَرُ في الجُدْرَانِ، وكان هذا سائغًا في شريعتهم ومِلَّتِهِمْ.
{وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} الجَوَابُ هي الحِيَاضُ. والجَوَابي جَمْعُ «جَابِيَةٍ» ، وهي الحَوْضُ الَّذي يُجْبَى فيه المَاءُ.
أمَّا القُدُورُ الرَّاسِيَاتُ فهي القُدُورُ الثَّابِتَةُ؛ أي أنَّهنَّ ثَوَابِتُ لا يَزُلْنَ عن أماكنهنَّ بصدد إطعام الطَّعام، والإحسان إلى الخَلْقِ من إِنْسَانٍ وَجَانٍّ.