فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 581

-المرحلة الثَّالثة: خُرُوجُ موسى - عليه السَّلامُ - من مِصْرَ إلى شعيب:

وجاء رَجُلٌ من أقصى المدينة يسعى ساعيًا إليه مشفقًا عليه فقال: {يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} .

يُخْبِرُ- تعالى - عن خروج عبده ورسوله وكليمِه من مصر خائفًا يترقَّب؛ أي: يتلفَّت خَشْيَةَ أن يُدْرِكَهُ أَحَدٌ من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجَّه، ولا إلى أين يذهب.

وذلك لأنَّه لم يَخْرُجْ مِنْ مِصْرَقبلَها، ولمَّا توجَّه تلقاءَ مَدْيَنَ من أصعب الأشياء على النَّفس أن يخرج الإنسانُ مِنْ بَلَدِهِ فَجْأَةً، وَلَكِنْ لا خِيَارَ آَخَرَ أَمَامَ سَيِّدِنَا موسى - عليه السَّلامُ - لِيَنْجُوَ بنفسه من القتل غَيْرَ هذا الخروج.

{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} أي: فَخَرَجَ من مدينة مِصْرَ من فَوْرِهِ، على وَجْهِهِ، لا يهتدي إلى طريقٍ ولا يعرفُه، قائلًا: ربِّ نجِّني من القوم الظَّالمين.

كان موسى - عليه السلام - نَزِيلَ قصْرِ فِرْعَون وأصْبَحَ بالطُّرُقاتِ، إلى أين يتَّجِهُ؟ خرَجَ مِن قَصْر فِرْعَون وهام على وَجْهه في الطُّرُقات، وفي البراري، ووصَلَ إلى مَدْيَنَ، والْتَقى بِسَيِّدِنا شُعَيْبٍ؛ نَبِيٌّ كريمٌ، تَزَوَّج ابْنَتَهُ، وفي طريق العَوْدَة جاءهُ الوَحيُ وأصْبَحَ نبِيًّا، وكلَّمَهُ ربُّه، فقال العلماء: «كُنْ لِما لا ترْجو أرْجى منك لما ترجو» .

قال: {عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} ؛ أي: عَسَى أَنْ يهديَني إلى المقصود، أي: طَلَبَ من الله أن يَهْدِيَهُ إلى طَرِيقِ مَدْيَنَ.

وسبحان الله! فكلُّ ما يحدث لسيِّدنا موسى - عليه السلام - هو إعدادٌ لهُ من الله عزَّ وجلَّ؛ {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} .

هناك قاعدة تقول: ربَّما أعطاك فمنعك، وربَّما منعك فأعطاك، والمعنى أنَّ في بعض الأحيان قد يمنع الله - عزَّ وجلَّ - عنك ما تريده، ولكن هذا في حقيقته لا يكون إلاَّ عَيْنَ العطاء.

هذا التَّشَرُّدُ انتهى به إلى النُّبُوَّةِ، وهذا الإخْراجُ انتهى به إلى العَطاءِ، وهذا الخَوْف انتهى به إلى شُعَيْبٍ، وشُعَيْبٌ انتهى به إلى تَزْويج ابْنَتِهِ، وبعد أن تزوَّجَ ابنتَهُ وسار بِأهلهِ، انتهى هذا به إلى النُّبُوَّةِ وإلى تكليم الله، وهو كليمُ اللهِ.

خَرَجَ موسى - عليه السلام - إلى مَدْيَنَ وهو مهدَّدٌ بالقتل للمرَّة الثَّانية في حياته، والَّتي سبقتها محاولة قَتْلِهِ وهو لا يزال رضيعًا صغيرًا.

وفي هذا رِسَالَةٌ خفيَّةٌ إلى موسى - عليه السَّلامُ - من ربِّ العالمين له، وفيها أنَّك يا موسى، نَجَوْتَ في المرَّة الأولى وستنجو في الثَّانية، وأنَّ الأعمارَ بيد الله.

ففي الحديث: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا ... » . الهيثمي في الزوائد و صححه الألباني في صحيح الجامع.

وإذا أراد الله أن يهيِّئ أمرًا، خَلَقَ لك من التَّوفيق أسبابًا، فجعل اللهُ سقياه للفتَاتَيْنِ سَبَبًا لتفريج همِّه.

وهذا هو لُبُّ قِصَّةِ سَيِّدِنَا موسى - عليه السَّلامُ -فَنُصْرَةُ الضَّعِيفِ سَبَبُ النُّصْرَةِ؛ {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .

أتريد أن يكون لك مَقَامٌ عند الله عزَّ وجلَّ؟ انظر ماذا تفعل مع الضُّعفاء، وما هو مقامهم عندك؟ {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} مَوَاشِيهِم، وكانوا أَهْلَ ماشيةٍ كثيرةٍوَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ -أي: دون تلك الأُمَّةِ - {امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} غنمهما، عن حياض النَّاس؛ لِعَجْزِهِمَا عن مُزَاحَمَةِ الرِّجال.

{قَالَ مَا خَطْبُكُمَا} أي: ما شأنُكما بهذه الحالة؟ {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُوأبونا شَيْخٌ كَبِيرٌ} وقد اختلفوا في هذا الشَّيخ، من هو؟

فقيل: هو شُعَيْبٌ عليه السَّلامُ، وهذا هو المشهورُ عند كثيرين من المفسِّرين، فسقى لهما - أي رحمهما موسى وسقى لهما طالبًا الأَجْرَ مِنَ الله - وكان ذلك وَقْتَ شِدَّةِالحَرِّ، وَسَطَ النَّهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت