فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 581

أخرج البخاريُّ عن أبي سَعِيدٍ، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَجِيءُ نُوحٌ - عليه السَّلام - وأمَّتُه، فيقولُ الله عزَّ وجلَّ: هل بلَّغْتَ؟ فيقول: نَعَمْ أي رَبِّ.

فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ».

فهذه الأُمَّةُ تَشْهَدُ على شهادة نبيِّها الصَّادق، المصدوق، بأنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ نُوحًا بالحقِّ، وأنزل عليه الحقَّ، وَأَمَرَهُ به، وأنَّه بَلَّغَهُ إلى أمَّته، على أكمل الوجوه، وأتمِّها.

وهكذا شَأْنُ جميع الرُّسُل، حتَّى إنَّه حذَّر قَوْمَهُ المسيحَ الدَّجَّالَ، وإن كان لا يتوقَّع خروجُه في زمانهم؛ حَذَرًا عليهم، وَشَفَقَةً، وَرَحْمَةً بهم.

هذه السُّورةُ عَظِيمَةٌ اشتملت على تمجيد الله في أوَّلها، وعلى فَضْلِ الله العظيم في آخرها، وله الفَضْلُ والنِّعْمَةُ والثَّناءُ الحسنُأوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.

المحتويات

سورة المجادَلة، سميت بذلك؛ لأنها نزلت بشأن المرأة التي جاءت تشتكي زوجها الى النبي صلى الله عليه وسلم وتراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شأنها

هذه السورة العظيمة والجليلة تتحدَّث عن عدة أمور:

أولًا: افتتحت بالحديث عن تحريم الظِّهارِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، والظِّهارُ حَقِيقَتُهُ إذا شبَّه الرَّجُلُ زوجتَه بِظَهْرِأمِّه.

ثمَّ بيَّن- سبحانه - كفَّارةَ الظِّهَارِ، وحلَّ مُشْكِلَتِهِ، ثمَّ ذَكَرَ مَعِيَّةَ الله لعباده، وأنَّه مُطَّلِعٌ على خفايا أمورهم وظواهرها، وَتَنَاوَلَتْ آدابَ المُجَالَسَةِ، وَخُتِمَتِ السُّورَةُ بِعَقِيدَةِ الوَلاءِ والبَرَاءِ.

قوله: {قَدْسَمِعَاللَّهُقَوْلَالَّتِيتُجَادِلُكَفِيزَوْجِهَا} .

{قد سمع الله} «قد» حَرْفُ تَحْقِيقٍ؛ أي: قَدْ سَمِعَ اللهُ شَكْوَاهَا، وَسَمِعَ مراجعتَها للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

فلمَّا كانت تَسْألُ وَتُخْبِرُ إنَّما كانت تجادل؛ لحرصها على دينها وزوجها وصِبْيَتِهَا، فكانت تراجع النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وتحاول أن يلتمسَ لها الحَلَّ والفرج من الله.

وَسَمَّى اللهُ هذه السُّورةَ باسْمِهَا؛ تكريمًا لها وثناءً عليها؛ قدَّمت طَاعَةَ الله على طاعة زَوْجِهَا، وما غَلَبَ عليها هواها وعاطفتُها.

فسمع- سبحانه- شَكْوَاهَا، والسَّمْعُ مَعْلُومٌ، وكانت في حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وعائشةُ تسمع بعضَ الكلام، ويخفى عليها بَعْضُهُ، واللهُ سَمِعَهَا مِنْ فَوْقِ السَّبْعِ الطِّبَاقِ، فأنزل اللهُ: {قد سمع} .

قوله: {تجادلك} .

المُجَادَلَةُ في الأصل عَدَمُ قَبُولِ الكلام، وَرَدُّ أوَّله على آخره؛ لأنَّ الأَصْلَ في الكلام التَّسْلِيمُ، والمجادلةُ لا بَأْسَ بها، ولا تَحْرُمُ، ولا تُكْرَهُ إلاَّ إذا كانت مِرَاءً.

وسببُ نُزُولِ هذه السُّورة أَنَّ هذه الآَيَاتِ نزلت في خَوْلَةَ بنت ثَعْلَبَة وَزَوْجِهَا أوسِ بنِ الصَّامت أخي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ حَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا مُشَادَّةٌ كلاميَّةٌ فقال لها: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِأُمِّي.

وكان الظِّهارُ في الجاهليَّة، وفي أوَّل الإسلام إذا ظاهر الرَّجُلُ من امرأته فإنَّها تَطْلُقُ منه، واعْتُبِرَ ذلك طَلاقًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت