فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 581

أي: استمرُّوا على طاعة الله واتِّباع عيسى؛ آتاهمُ اللهُأَجْرَهُمْ.

قوله: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} .

وهم الَّذين لم يراعوا اتِّباعَ عيسى، وغيَّروا، وبدَّلوا.

قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} .

الخطابُ والنِّداءُ يَشْمَلُ مَنْآَمَنَ بالله وصدَّق رسولَه من هذه الأمَّة، ويشمل أيضًا من آمن مِنْ أهل الكتاب، فَضَمِنَ لهم ثَلاثَةَأمورٍ إذا هم اتَّقوا وآمنوا بالرَّسول أن يعطيهم أَجْرَهُمْ مرَّتين، ولهم كِفْلانِ من الرَّحمة؛ نصيبٌ في الدُّنيا، ونصيبٌ في الآخرة.

وفي هاتين الآيتين هذه الآية والَّتي بَعْدَهَا بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لهذه الأمَّة بفضل الله المُضَاعَفِ بأنَّهم يُؤْتَوْنَأجرهم مرَّتين، وَنَصِيبَيْنِ مِنَ الأَجْرِ وحظَّيْنِ من الثَّواب، وأنَّهم مُيِّزُوا عن أهل الكتاب بهذا الفَضْلِ.

ويؤيِّده ما أخرجه البخاريُّ عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ.

ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى.

ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ. فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».

وقيل: «إِنَّالآَيَةَ نَزَلَتْ في أهل الكتاب إذا اتَّقوا وآمنوا بالنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنَّهم يُؤْتَوْنَأَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، ويكون لهم كِفْلانِ مِنَ الرَّحْمَةِ والأَجْرِ» .

قوله: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} .

أي: أعطاهمُ اللهُ العِلْمَ والبصيرةَ في الدُّنيا، وأعطاهم في الآخرة النُّورَ، وَالبَصَرَ، والبَصِيرَةَ في الآخرة، بسبب أنَّهم آمنوا بالله ورسوله، واتَّقوا الله، وتركوا الكفر والشِّرْكَ.

فَذَكَرَ لَهُمْ ثَلَاثَ مَزَايَا: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ؛ نَصِيبَيْنِ وحظَّيْنِ وأَجْرَيْنِ من رَحْمَتِهِ، والثَّاني: يجعل لكم نورًا تمشون به؛ نُورَ العِلْمِ، والثَّالثةُ: يَغْفِرُ لَكُمْ.

قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} المَغْفِرَةُ ترتَّبت على الإيمان والتَّقوى واتِّباع الرَّسول.

قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: كثيرَ المغفرة وكثيرَ الرَّحمة. لمَّا ذَكَرَ الرَّحمة والمغفرة ناسب أن يَخْتِمَ بقوله: {والله غفور رحيم} .

قوله: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} .

في هذه الآية بيَّن اللهُ أنَّهذه الأمَّةَ وَرِيثَةُ الرُّسل والكتب السَّابقة.

{لئلاَّ ... } أَيْ: لكي يتحقَّقوا أنَّهم لا يقدرون على ردِّ ما أعطاه الله؛ فاللهُأعطى هذه الأمَّةَ مِنَ الفَضْلِ ما لم يُعْطِهِأمَّةً؛ فهم خيرُ الأمم، وَأَكْثَرُ الأمم، وأكثرُ أَهْلِ الجَنَّةِ.

فاللهُأَعْطَى هذه الأمَّةَ هذه الفَضَائِلَ؛ ليعلم أهلُ الكتاب أنَّالفَضْلَ بيد الله، فلا يقدرون على مَنْعِ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ.

قوله: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} أي: إنَّما الفَضْلُ كلُّه بيد الله بجميع أنواعه؛ فلا أَحَدَ يَحْجُرُ على الله.

والله أعطى هذه الأمَّة هذه الفضائل لأنَّها تستحقُّ هذا الشَّيءَ؛ فهي وَرِيثَةُ الرُّسُلِ والكتب، وتشهد للأنبياء يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت