فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 581

فينبغي للعبد ألاَّ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ حتَّى في الوعود إلاَّ معلَّقًا بالمعونة والمشيئة.

عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أنَّرَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول: «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَيُشَدِّدَ اللهُ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ؛ {وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم} » . رواه أبو داودٍ.

أَكْلَةٌ شَهِيَّةٌ جدًّا يكون لها طَعْمٌ في المرَّة الأولى، لَكِنْ لو دَاوَمَ عليها مَلَّ مِنْهَا وَكَرِهَهَا، ومن يَشُدُّ على نفسه ويُرْهِقُهَا يُلْحِقُهَا سَآَمَةً وَمَلَلًا.

رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ والآخرُ يَقُومُ اللَّيْلَ كلَّه حَوَّلَهُ رَسُولُ الله إلى أَقَلِّ شَيْءٍ؛ حَتَّى يُدَاوِمَ عَلَيْهِ.

لمَّا فَرَضَ اللهُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، كَتَبَهَا أوَّلًا خَمْسِينَ، وَنَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - سَاعَتَهَا ليس عنده خبرةٌ، فَلَمْ يُرَاجِعْ رَبَّهُ، فَلَمَّا قابل موسى - عليه السلام - سأله فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قال: بخمسين صلاةً. فقال إنَّ أُمَّتَكَ لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربِّك فاسأله التَّخْفِيفَ لأمَّتِكَ.

فَلَمْ يَزَلْ يتردَّد بين موسى وبين الله - تبارك وتعالى - حتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَمَرَهُ موسى بالرُّجوع، وسؤال التَّخفيف، فقال: قد استحييتُ من ربِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، فلمَّا نفذ، نادى منادٍ: قد أمضيتُ فَرِيضَتِي، وخفَّفتُ عن عبادي.

فلو كانت خمسين صلاةً، لَهَلَكْنَا. نحن قصَّرنا في أداء الصَّلوات الخمس، كيف لو كانت خمسين؟

وفيها ذَمٌّ لأهل البدع والمحدثات ممَّن يُلْزِمُ نَفْسَهُ بعباداتٍ وأذكارٍ غير مأذونٍ بها؛ فالعباداتُ توقيفيَّةٌ.

ونقول لكلِّ من ترهَّب من هذه الأمَّة وتصرَّفوا مثل أهل الكتاب، وتشبَّهوا بهم في الاعتزال، واخترعوا أمورًا ما أنزل اللهُ بها مِنْ سُلْطَانٍ، وتشبَّهوا بالأمم السَّابقة قَبْلَنَا: «كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» . رواه الترمذي و أبو داوود و ابن ماجه و أحمد.

-فائدةٌ مهمَّةٌ:

وهي النَّهْيُ عن قَطْعِ العمل الصَّالح، وأنَّ الإنسانَ يُوَاصِلُ العَمَلَ الصَّالِحَ، ولا يَقْطَعُهُ، وَيُدَاوِمُ عَلَيْهِ.

فَإِنْ كَانَ العَمَلُ فَرْضًا فَقَطْعُهُ مُحَرَّمٌ، وإن كان مستحبًّا فَقَطْعُهُ مَكْرُوهٌ.

فَعَنْ عَائِشَةَ-رضياللهعنها -قالت: «كانرَسُولُالله- صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا عَمِلَ عملًا أَثْبَتَهُ» رواه مسلم. «يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» . متَّفقٌ عليه.

مَثَلُ مَنْ قَطَعَ العَمَلَ الصَّالِحَ مَثَلُ رَجُلٍ مَاشٍ في الطَّريق، فَوَجَدَ قِطْعَةً من الذَّهب، هل يَطْرَحُهُ بعد ذلك وهو يعلم مالَهُ مِنْ قِيمَةٍ وَثَمَنٍ؟ الجواب: لا.

وفي المقابل إذا رأى شيئًا يظنُّه ذهبًا، فأخذه، وإذا هو لا شَيْءَ، طَرَحَهُ.

فما يَقُومُ به العَبْدُ من طاعاتٍ هي أفضل وَأَنْفَعُ من الذَّهب الخالص لِقَلْبِكَ وَنَفْسِكَ.

وفي الحديث: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى القَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ أَوْ آَيَةٍ مِنَ القُرْآَنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» . رواه الترمذي و أبو داوود.

وعند أبي داودَ والتِّرمذيِّأيضًا عن سَعْدِ بن عبادة - رضي الله عنه- أنَّالنَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «مَنْ قَرَأَ القُرْآَنَ ثُمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ» .

وفي رِوَايَةٍ: «لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . كأنَّه اسْتَحْقَرَ العملَ الصَّالحَ مِنْ قِيَامٍ أو صيامٍ أو حفظٍ للقرآن، أو أيِّ طَاعَةٍ كان عليها، ثمَّ تَرَكَهَا؛ رَغْبَةً عنها.

فلمَّا زَهَدَ فيها، دَلَّ على أنَّه ليس لها عِنْدَهُ قِيمَةٌ؛ مثلَ إِنْسَانٍ دَخَلَ في الإسلام والإيمان، ثمَّ تَرَكَهُ، كأنَّه وَجَدَهُ غَيْرَ طَيِّبٍ.

كان يُدَاوِمُ على حضور درسٍ ثمَّ تركه. يدلُّ على نَقْصِ إيمانه، أو أنَّه أَرْهَقَ نَفْسَهُ.

قوله: {فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت