قوله: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} .
ذكر بعض السِّمَاتِ الَّتي كانت في أَتْبَاعِ عيسى، منها الرَّأْفَةُ، وهي لِينُ الجانب، والرَّحْمَة حتَّى يكونوا متحابِّين؛ بخلاف اليهود؛ فقلوبُهم فيها حِقْدٌ وَحَسَدٌ وَغِلْظَةٌ.
قوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} .
هي الغلوُّ في العبادة.
الرَّهْبَنَةُ هي التَّعبُّدُ أو دوامُ التَّعَبُّدِ والاجتهاد في العبادة، والله ما أمرهم بها، فَذَكَرَ اللهُ لنا قصَّة الرَّهْبَنَةِ الَّتي زاغت بالنَّصارى عن الطَّريق القويمِ؛ لأنَّ الطَّريقَ القَوِيمَ يَتَمَثَّلُ في سنَّة الأنبياء الَّذين توالوا على البشريَّة برسالةٍ واحدةٍ، وإن اختلفت الشَّرائعُ.
قوله: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} .
أي: ما فَرَضْنَاهَا عليهم، ولم نَشْرَعْهَا لهم، إنَّما ابتدعوها من تِلْقَاءِأَنْفُسِهِمْ، ولم نَكْتُبْهَا عليهم؛ فالتَّرَهُّبُ الَّذي مَارَسَهُأتباعُ عيسى - عليه السَّلامُ - من الانعزال في الصَّوامع وفي الغيران والجبال ونحو ذلك، هذا شَيْءٌ مُبْتَدَعٌ في دين عيسى عليه السَّلام.
كلامُ ابْنِ كَثِيرٍ يَظْهَرُ منه أنَّاللهَ كَتَبَ عليهم نوعًا من الرَّهبانيَّة، لكنَّهم ابتدعوا نوعًا آَخَرَ من الرَّهبانيَّة، وهذا يصدِّقه حديث: «لِكُلِّأُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةٌ، وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» . رواه أحمد و البزار و العراقي و فيه ضعف. فاللهُ كَتَبَ عليهم رهبانيَّةَ الجهاد، لكنَّهمُ ابتدعوا رهبانيَّةًأُخْرَى، فلم يُطِيقُوا القِتَالَ، فَلَحِقُوا بالجِبَالِ.
قوله: {إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّه} .
الباعثُ على ابتداع هذه الرَّهبانيَّة أنَّهم يريدون بذلك رضوانَ الله.
قوله: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} .
ذمَّهم- تعالى - وهذا الذَّمُّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
-أنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا، ولم يَشْرَعْهَا اللهُ، ولم يتَّبعوا رسولهم عيسى - عليه السَّلامُ - وفيه دَلِيلٌ على أنَّالبِدَعَ لا تجوز حتَّى ولو حَسُنَتْ نِيَّةُ صَاحِبِهَا، والاقتصار على المشروع.
-والثَّانيةُ: أنَّهم ما رَعَوْهَا، فألزموا أنفسَهم بِشَيْءٍ لم يُوَفُّوا به؛ لأنَّ المتشدِّدَ يَمَلُّ وَيَتْرُكُ العبادةَ. فهم تركوا ما ألزموا به أنفسَهم من أنواع القُرَبِ، فَذَمَّ اللهُ مَنْأَلْزَمَ نَفْسَهُ بطاعةٍ شَرَعَ فيها ثمَّ تَرَكَهَا.
لو اعتدلوا في العبادة وتوسَّطوا، ما حصل لهم ما حصل من التَّفريط. وهذه عَادَةُ المتشدِّد؛ أنَّه لا يستمرُّ فيها كما وصفه رسولُ الله؛ «كَالمُنْبَتِّ؛ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» .رواه الدارقطني و الحاكم و البزار .. و هو ضعيف.
وفي قصَّة سلمان الفارسيِّ حينما التقى بِعِدَّةِ رُهْبَانٍ من رُهْبَانِ النَّصَارَى، وكان آخرُهم رَجُلًا صَالِحًا عنده عِلْمٌ عن نَبِيِّ آَخِرِ الزَّمان، فنصح الرَّاهبُ سَلْمَانَ أن يذهب إلى بلاد العرب.
الشَّاهِدُأنَّه قال: «لمَّا قدمتُ الشَّام سألتُ مَنْ أفضلُ أَهْلِ هذا الدِّين؟، قالوا: الأَسْقُفُ في الكَنِيسَةِ. فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ: إنِّي قد رَغِبْتُ في هذا الدِّين، وأحببتُ أن أكون معك أَخْدِمُكَ في كنيستك، وأتعلَّم منك، وأصلِّي معك. قال: فادخل.
فَدَخَلْتُ معه، فكان رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُهُمْ بالصَّدقة، ويرغِّبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئًا، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ».
وكما هو مَعْلُومٌ أنَّالنَّذْرَ في الإسلام مَكْرُوهٌ؛ لأنَّه يُلْزِمُ نَفْسَهُ بعبادةٍ أو بشيءٍ ليس ملزمًا به، وقد يوفِّي به، وقد لا يوفِّي، ولا يدري أَيَقْدِرُ عليه أو لا يقدر.
ومنهم من يعاهد الله على فعل شَيْءٍ، والعهدُ مسئولٌ، ثمَّ لا يوفِّي به؛ إمَّا أن يَعْجَزَ أو يَكْسَلَ.