فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 581

كلمةُ {ليعلم} ليس المرادُ بالعِلْمِ العِلْمَ السَّابق؛ فالعلمُ بالشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ هذا لا يترتَّب عليه عقابٌ ولا ثوابٌ، إنَّما المرادُ بالعلم هاهنا من يُطِيعُ ومن لا يطيع؛ فلن يحاسب اللهُ نَفْسًا حتَّى تكتسب.

النَّصْرُ يكون بالوحي وبالجهاد. هذا هو الابتلاء الحقيقيُّ؛ لِيَعْلَمَ مَنْ يجاهد في سَبِيلِهِ وَيُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ بالغيب، فيظهر الصَّادقُ، ويظهر غيرُ الصَّادق.

فأوَّلُ ما فرضه اللهُ جِهَادُ البيان والحُجَّةِ، ثمَّ نُسِخَ إلى جهاد السَّنان بعد الدَّعوة؛ فاللهُ ليس بحاجةٍ إلى من ينصره، فهو قادرٌ على نَصْرِ رُسُلِهِ، لكن يمتحن العبادَ مَنْ يُدَافِعُ عن الدِّين وعن العقيدة، وَمَنْ يَخْلُدُ إلى الأرض ويستسلم ولا يهتمُّ.

{بالغيب} المرادُ بِالغَيْبِ أي: ما غاب عن النَّاس؛ فالمسلمُ لا يرى الله ولا يرى الملائكة ولا يرى الَّذين ماتوا من الرُّسُلِ، لكن يصدِّق بهم، ويؤمن بهم جميعًا، والمراد هاهنا من ينصر الله ورسوله، ولم ير الله، فينصره ولا يبصره.

قوله: {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} .

أي: هو قَوِيٌّ عَزِيزٌ، يَنْصُرُ مَنْ نَصَرَهُ مِنْ غَيْرِ احتياجٍ منه إلى النَّاس؛ فلو شاء اللهُ لانتصر منهم، ولكن شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعضٍ.

قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} .

أي: كلَّ نَبِيٍّ مِنْ بعد نوحٍ، فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وكذلك إبراهيمُ.

فبعدما بَيَّنَ اللهُ عَظِيمَ مِنَّتِهِ على عباده بإرسال الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُبِ ثمَّ خَصَّ هاهنا نُوحًا وإبراهيمَ وَجَعَلَ وراثةَ النُّبُوَّةِ والكتاب فيهما وذرِّيَّتِهِمَا وأخبر- سبحانه - أنَّه منذ بعث نوحًا - عليه السَّلامُ - لم يرسل بَعْدَهُرَسُولًا ولا نبيًّا إلاَّ من ذرِّيَّته، وكذلك إبراهيم - عليه السَّلام - خَلِيلُ الرَّحمن، لم يُنْزِلْ من السَّماء كتابًا ولا أَرْسَلَ رسولًا ولا أوحى إلى بشرٍ مِنْ بَعْدِهِ، إلاَّ وهو من سلالته.

قوله: {فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ} .

أي: فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ مَنِ اهتدى إلى الدِّين الحقِّ، وآمن بالرُّسُلِ، واتَّبع الكتابَ.

قوله: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} .

أي: وكثيرٌ منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله واقعون في الكفر والضَّلال.

-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ:

المدَّةُ بين آَدَمَ وَنُوحٍ - عليهما الصَّلاة والسَّلامُ - عن أبي أمامة أنَّرجلًا قال: «يا رسولَ الله، أنبيٌّ كان آدم؟ قال: «نَعَمْ، مُكَلَّمٌ» . قال: فكم كان بينه وبين نوحٍ؟ قال: «عَشَرَةُ قُرُونٍ» . رواه ابنُ حبَّانَ في «صحيحه» والحَاكِمُ وقال: صَحِيحٌ على شَرْطِ مُسْلِمٍ، ووافقه الذَّهبيُّ.

وقال ابنُ كَثِيرٍ في «البداية والنِّهاية» : «هذا على شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يُخَرِّجْهُ» .

وأمَّا المُدَّةُ بين نُوحٍ وإبراهيمَ - عليهما السَّلام - وَدَلِيلُهَا زيادةٌ في حديث أبي أمامة - رضي اللهُ عنه - السَّابق ... قال: كم بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ؟ قال: «عَشَرَةُ قُرُونٍ» . رَوَاهُ الحَاكِمُ في «المُسْتَدْرَكِ» ، وقال: «هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، ولم يخرِّجاه» ، والطَّبرانيُّ في «المعجم الكبير» ، وَوَرَدَ كَلامٌ في تَضْعِيفِ بَعْضِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وصحَّحه الألبانيُّ بِشَوَاهِدِهِ.

قوله: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا} .

أي: أَتْبَعْنَا على آثارهم من بعد نوحٍ وإبراهيم واحدًا بعد الواحدِ، فأرسل رُسُلًا جاءوا من بعدهم.

قوله: {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} .

وخصَّ عيسى ابن مريمَ مع أنَّه داخلٌ في الرُّسُلِ؛ لأنَّه سيخاطب النَّصارى.

قوله: {وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ} هو الكتابُ الَّذي أُنْزِلَ على عيسى؛ ليكون هدايةً لِقَوْمِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت