وأمَّا معجزاتُ نبيِّنا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم -فتربو على الألف، كما ذكر ذلك ابنُ القَيِّمِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ المعجزات الَّتي أُيِّدَ بها القرآنُ. وفي الحديث: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعطِيَ ما مِثلُه آمَن عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْأَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» . متَّفقٌ عَلَيْهِ.
فالقرآنُ أَعْظَمُ المعجزات، لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ من المعجزات؛ فهو أعظمُ المعجزات، وأعظمُ البيِّنات، ومعجزةٌ خالدةٌ.
قوله: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَوَالْمِيزَانَ} .
أي الكُتُبَ الَّتي جاء بها الأنبياءُ لِهِدَايَةِ الخَلْقِ، كالتَّوراة والإنجيل والزَّبور والقرآن وصحف إبراهيم وصحف موسى.
وكلمة «معهم» تعني «مصحوبين بالكتاب، ومصحوبين بالميزان» .
فالكُتُبُ مُشْتَمِلَةٌ على المِيزَانِ، والميزانُ هو الكتابُ.
قوله: {وَالْمِيزَانَ} أي: العَدْلَ. فأنزل الكتب والشَّريعة الَّتي هي مِيزَانٌ للحقِّ وللباطل؛ لأنَّه وَحْيٌ مَعْصُومٌ، ولو تُرِكَ النَّاسُ وأهواءهم ما أدركوا الحقَّ من الباطل، أو أدركوا بَعْضَ الحقِّ، فكان من أعظم المِنَنِإنزالُ الكتب.
فالعدلُ قامت عليه السَّماواتُ والأرضُ، والعدلُ أساسُ مصالح البَشَرِ، والشَّريعةُ مَبْنِيَّةٌ على العدل؛ ليعطى بِمُوجَبِهِأصحابُ الحقوق حُقُوقَهُمْ.
قوله: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} .
بَيَّنَ اللهُ الحِكْمَةَ مِنْإنزال الكتب وإرسال الرُّسل؛ لأنَّ الحقَّ والهدى إذا أتى لابدَّ له من معارضٍ، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِين} .
فَمِنْ أَعْظَمِ المِنَنِ وأعظم الرَّحمة من الله أنَّه لم يتركهم دُونَ كتبٍ وَشَرَائِعَ؛ ليقومَ النَّاسُ بالقسط، وهو العدلُ، فيحكمون بالكتاب المنزَّل.
وفي الحديث في وصف القرآن: «مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» . الدارمي و ابن أبي شيبة و ضعفه الألباني في ضعيف الجامع بقوله (ضعيف جدا)
وَمِنْ أَعْظَمِ القِسْطِ التَّوْحِيدُ؛ لأنَّأَظْلَمَ الظُّلْمِ الشِّرْكُ، وَأَعْدَلَ العَدْلِ التَّوْحِيدُ.
لهذا جعل اللهُ للنَّاس حقوقًا، وعليهم حقوقًا؛ فَأَعْظَمُ الحقوق حقُّ الله، ثمَّ حقوقُ العباد.
قوله: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} .
أي: خَلَقْنَا الحديدَ. والإنزالُ هاهنا المرادُ به أنَّاللهَأَوْجَدَ الحديدَ وَخَلَقَهُ وَأَوْدَعَهُ في الأرض.
وهناك من قال: إنَّالحَدِيدَ ليس مِنَ الأرض، واللهُأعلمُ بِمُرَادِهِ.
والقولُ الأوَّلُأَظْهَرُ، وهو نظيرُ: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْأَنْزَلَنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} .
والحديدُ من أقوى المعادن، وَيُصْنَعُ منه آلاتُ الحَرْبِ والقتال، والدِّينُ يقوم على الدَّعوة، والقتال، فَبَعْدَ أن يَعْرِضَ عليهم الحقَّ، فإن أبوا وإلا القتال.
التَّدَافُعُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللهِ، ولابُدَّ للحقِّ وللهدى إذا أتى من مُدَافِعٍ، وَمِنْ عَدُوٍّ. فاللهُ جَعَلَ الحَدِيدَ قُوَّةً يكون به قيامُ الحقِّ، وبه يردع المعارضين للحقِّ.
فاللهُ أَثْبَتَ العداوة من المجرمين، وَبَيَّنَأنَّه هو الكافي والنَّاصِرُ؛ فآلاتُ الحرب متَّخَذَةٌ من الحديد، وَمِنْ ثَمَّ خَلَقَ اللهُ الحَدِيدَ لِحِمَايَةِ الكتاب؛ فقوامُ الدِّين على سَيْفٍ يَنْصُرُ، وَكِتَابٍ يَهْدِي.
قوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي: فيه مَنَافِعُ للنَّاسِ مُتَنَوِّعَةٌ؛ مراكبُ وأوانٍ وفوائدُ كثيرةٌ.
قوله: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} .