وَذَكَرَ بَعْضُهُم أنَّهم إنَّما سألوا المائدةَ لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، فسألوا أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةً وهي: الخوانعليه طَعَامٌ.
فأجابهم المَسِيحُ - عليه السَّلامُ -قائلًا لهم: اتَّقوا الله، ولا تسألوا هذا. فأخبره الحواريُّون عن مقصدِهم من طلب المائدة، فقالوا: {قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} .
لمَّا سَمِعَ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - ذلك، وَعَلِمَ مقصدَهم، أجابهم إلى طَلَبِهِمْ في ذلكلِمَصْلَحَتَيْنِ؛ مَصْلَحَةِ الدِّين، بأن تكون آَيَةً باقيةً، ومَصْلَحَةِ الدُّنيا، وهي أن تكون رزقًا.
وَأَخَذَ عليهم العُهُودَ، وَعَهْدُ الله مسئولٌ، ولذلك حَذَّرَ العلماءُ من معاهدة الله وَنَقْضِها؛ {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْآتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} فَوَعَدَ أنَّه سَيُنْزِلُهَا، وتوعَّدهم إن كفروا بهذا الوعي.
بَقِيَ عيسى يجاهر بدعوته، ويَدُلُّ بَنِي إسرائيلَ على الله، ويأمرهم بالاستقامة، ويبيِّن فسادَ طريقهم إلى أن ضَاقُوا به ذَرْعًا، فاجتمع عظماءُ اليهود وأحبارُهم فقالوا: إنَّا نخاف أن يُفْسِدَ علينا دينَنا، ويتَّبعَه النَّاسُ.
فقال لهم قيافا رَئِيسُ الكَهَنَةِ: لأَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ واحدٌ خَيْرٌ من أن يذهب الشَّعْبُ بِأَسْرِهِ. فَأَجْمَعُوا على قَتْلِهِ، فسعوا به لدى الحاكم الرُّومانيِّ أَحَدِ الملوك الكَفَرَةِ.
وزعموا له أنَّ عيسى يسعى لأَنْ يَكُونَ مَلِكًا على اليهود، وينادي بذلك، وادَّعوا أنَّه يُثِيرُ القلاقلَ والفتنَ، ويحرِّك الرِّعاعَ ضدَّهم، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ.
عَلِمَ عيسى - عليه السَّلامُ - بِمَكْرِ القوم به، وَعَزَمَ الحاكمُ على قَتْلِهِ، فاخْتَفَى عن أَعْيُنِ الرُّقَبَاءِ؛ حتَّى لا يَعْرِفَ أَعْدَاءُهُ مِنَ اليَهُودِ مَكَانَهُ، فَيَقْبِضُوا عليه.
فَحَاصَرُوهُ في دارٍ بِبَيْتِ المقدس. وقيل: إنَّهُ دَخَلَ المَسِيحُ إلى القُدْسِ على حمارٍ، وتلقَّاه فيها أصحابُه، فقال المسيحُ لهم: إنَّ بَعْضَكُمْ ممَّن يأكل ويشرب معي يُسْلِمُنِي.
وبعد أن أوصى المسيحُ تلاميذَه بأمورٍ ذَهَبُوا إلى المكان الَّذي يجتمعون فيه، وكان يهوذا بْنِ سمعان الإسخريوطيُّ -أَحَدُ الحواريِّين- يَعْرِفُ ذلك المَوْضِعَ، فلمَّا رأى الشُرَطَ يطلبون المَسِيحَ، دَلَّهُمْ على مكانه مُقَابِلَ دُرَيْهِمَاتٍ معدوداتٍ جعلوها له.
قالوا: وكانت ثلاثين دِرْهَمًا، فلمَّا دَخَلُوا المكانَ الَّذي فيه المسيحُ، ألقى اللهُ شَبَهَهُ على مَن دلَّهم على مكانه من الحواريِّينَ وهو «يهوذا الإسخريوطيُّ» فاحتملوا الشَّبَه، َ وَصَلَبُوهُ وَقَتَلُوهُ، وهم يظنُّونه عيسى - عليه السَّلامُ - وَرَفَعَ اللهُ سَيِّدَنَا عيسى إليه.
ولذلك {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} . وَمَعْنَى متوفِّيهِ وَفَاةَ نَوْمٍ، ورافعُهُ إليه برُوحِهِ وَبَدَنِهِ.
فَقَدْ ثَبَتَ بالأدلَّة من الكتاب والسُّنَّةِ أَنَّ عيسى ابْنَ مَرْيَمَ - عليه السَّلامُ - رُفِعَ إلى السَّمَاءِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ حيًّا لم يَمُتْ حتَّى الآن، وَلَمْ يَقْتُلْهُ اليهودُ، ولم يَصْلِبُوهُ، وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وأنَّه سينزل آخرَ الزَّمان حَكَمًا عَدْلًا في هذه الأُمَّةِ.
{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: مخلِّصُك ممَّن كفرَ بك، ومُخرِجُك من بينهم، برفعي إيَّاك إلى السَّماءِ، كما قال تعالى: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أَيْ: وَجَاعِلٌ أَتْبَاعَكَ يا عيسى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا، بالحُجَّةِ والبُرْهَانِ، وَبِالعِزَّةِ وَالغَلَبَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ - تعالى - حُكْمَهُ فِيهِمْ وَمَا يَفْعَلُهُ بهم؛ {فأمَّا الَّذين كفروا، فَأُعذِّبهم عذابًا شديدًا} قَوِيًّا {في الدُّنيا} ؛ بالقتلِ والسَّبيِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، وأخْذِ الأموال، وما يَحصُل لقلوبهم من الضِّيقِ والضَّنْكِ، والقلَقِ والحَسْرَةِ، وغير ذلك، {والآخرةِ} بنارِ جهنَّم.