فهرس الكتاب
قوله: {نَارٌ حَامِيَةٌ} :أي تَتَوَقَّدُ لا تُطْفَأُ شَدِيدَةُ الحرارة، قد زادت حرارتُها على حرارة نَارِ الدُّنيا سَبْعِينَ ضِعْفًا، والعياذُ بالله.
هذه السُّورَةُ على وَجَازَتِهَا فهي مَوْعِظَةٌ جَامِعَةٌ نَافِعَةٌ؛ ففيها بَيَانُ ما تَؤُولُ إِلَيْهِ الدُّنيا من الفَنَاءِ والزَّوال، وبيان حال النَّاس في الآخرة؛ مَنْ مَصِيرُهُ وَمَآَلُهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ مَصِيرُهُ وَمَآَلُهُ النَّارُ؟
وفيها بَيَانُ مَنْ تَثْقُلُ مَوَازِينُهُ، وَمَنْ تَخِفُّ مَوَازِينُهُ، وَبِمَاذَا تَثْقُلُ المَوَازِينُ؟ بالأعمال الصَّالحة والإيمان، ومحلُّ الأعمال في الدُّنيا.
تفسيرسورةٍ عظيمةٍ من قِصَارِ السُّوَرِ، هذه السُّورَةُ على غَايَةِ اختصارها، وَجَزَالَةِألفاظها، وَحُسْنِ نَظْمِهَا، فهيمُخِيفَةٌ، فيها وَعْد، ٌ وَوَعِيدٌ، وَتَهْدِيدٌ لمن اتَّصف بصفاتٍ معيَّنةٍ، فتبارك من تكلَّم بها وبلَّغها رسولَه عنه وَحْيًا.
هذه السُّورةُ هي سورة التَّكاثر، وسُمِّيت بذلك؛ لافتتاحها به.
هذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُتتحدَّث عن تحذير الإنسان عن التَّكاثر المُلْهِي عن الله، والدَّار الآخرة، وانطباقِ معناها على أكثر الخَلْقِ.
ثمَّ تَوَعَّدَ - سبحانه - مَنْ أَلْهَاهُ التَّكَاثُرُ حتَّى عَايَنَمغبَّة وعاقبةهذا التَّكاثر عند سكرة الموت، وفي القبر، وعند الحشر.
وَخُتِمَتِ السُّورَةُ عن سؤال النَّعيم؛ فكلُّ أَحَدٍ يُسْأَلُ عن نعيمه الَّذي كان فيه في الدُّنيا.
فللَّه ما أَعْظَمَهَا من سورةٍ، وأجلَّها فَائِدةً، وَأَبْلَغَهَا مَوْعِظَةً وَتَحْذِيرًا، وأشدَّها ترغيبًا في الآخرة، وتزهيدًا في الدُّنيا.
قوله: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} : هذا خِطَابٌ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بهذا الوَصْفِ، وقيل: إِنَّ السُّورَةَ كلَّها خِطَابٌ للمشركين، وَتَهْدِيدٌ لهم، والَّذي يظهر أنَّ الخِطَابَ للعُمُومِ لكلِّ مَنِ اتَّصَفَ بإلهاء التَّكاثر له.
{أَلْهَاكُمُ} أَيْ: شَغَلَكُمْ.
{التَّكَاثُرُ} أَخْبَرَأنَّ التَّكَاثُرَ في جَمْعِ المال وَغَيْرِهِأَلْهَى النَّاسَ وَشَغَلَهُمْ عن الآَخِرَةِ والاستعداد لها.
والتَّكَاثُرُ في كلِّ شَيْءٍ؛ فكلُّ مَنْ شَغَلَهُ تَكَاثُرُهُ وألهاه عن الله والدَّار الآخرة، فهو دَاخِلٌ في حُكْمِ هذه الآَيَةِ، ولم يحدِّد شيئًا معيَّنًا من التَّكاثر؛ لأنَّ المَذْمُومَ هو نَفْسُ التَّكاثر بالشَّيء؛ سَوَاءٌ كان مالًا، أو ولدًا، أو أيَّ شَيْءٍ آَخَرَ ممَّا يُكَاثِرُ به العَبْدُ غَيْرَهُ من أسباب الدُّنيا، مِنْ مَالٍ، أو جاهٍ، أو عبيدٍ، أو إماءٍ، أو بناءٍ، أو غراسٍ، أو علمٍ لا يبتغى به وجه اللَّه، أو عملٍ لا يقرِّبه إلى اللَّه.
فكلُّ هذا من التَّكاثر المُلْهِي عن اللَّه والدَّار الآخرة، وعليهفكلُّ مَنْ ألهاه تَكَاثُرُهُ مِنْ مَالٍ، وَوَلَدٍ، وغيره، وَشَغَلَهُ عن طاعة الله ورسوله، ومات ولم يقدِّم لنفسه خيرًا، فقد خَسِرَ، وعاقبةُ هذا التَّكاثر إلى قِلَّهٍ وَفَقْرٍ وَحِرْمَانٍ.
يَقُولُ اللهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .
كلُّ مَنْ شَغَلَهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ- حتَّى ولو رَبِحَ من الدُّنيا ما رَبِحَ - فهو خَاسِرٌ إذا شَغَلَتْهُ عن طاعة الله.
وفي المقابل، كلُّ مَنْ لم يَشْغَلْهُ مالُه وولدُه عن طاعة الله فَهُوَ رَابِحٌ، يقول الله تعالى: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} .