فهرس الكتاب
وَرَغْمَأنَّ لديهم أعمال و تجارات، لكن ما شَغَلَتهُمْ عن طاعة الله، وعلَّل سبب ذلك بأنَّهم يخافون يومًا تتقلَّب فيه القلوبُ والأبصارُ.
ثمَّ بَيَّنَ جَزَاءَهُمْ؛ {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} .
ثمَّ لمَّا حذَّرنا ربُّنا عن التَّكاثر الملهي عن الله والآخرة، تَوَعَّدَ من شَغَلَهُ تَكَاثُرُهُ بالقبر وبعذاب القبر.
قوله: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} : أَخْبَرَأنَّ التَّكَاثُرَ شُغْلُأَهْلِ الدُّنيا، وألهاهمعن الله والدَّار الآخرة، حتَّى حَضَرَهُمُ المَوْتُ.
ففيها عِتَابٌ لكلِّ مَنْأَلْهَاهُ تَكَاثُرُهُمُدَّةَ حَيَاتِهِ كلِّها حتَّى زَارَ المَقَابِرَ، وهذا حَالُأَكْثَرِ الخَلْقِ، وفيها ذَمٌّ وَوَعِيدٌ.
وجعل الغايةَ زِيَارَةَ القبوردُونَ الموت؛ إيذانًا بأنَّهم غَيْرُ مستوطنين ولا مستقرِّينفي القبور؛ لأنَّها مَحَطُّةُ انتظارٍ، وأنَّهم في القبور بمنزلة الزَّائرينلها.
فدارُ القَرَارِ هي الجنَّة أوالنَّارُ؛ فَأَخْطَرُ لَحْظَةٍ في حياة الإنسان لَحْظَةُ الخُرُوجِ مِنَ البَيْتِ إلى القبر، فبينما تَمْلِكُ كلَّ شَيْءٍ تترك كلَّ شَيْءٍ.
فَجَمَعَ الأَمْوَالَ الطَّائِلَةَ، وَتَرَكَهَا، وتولَّى ما تولَّى، ثمَّ ذهب وتركها.
نَعَمْ. المَوْتُ ما تدري متى يُفَاجِئُكَ؛ فقد يفاجئك وَأَنْتَ ما انتهيتَ مِنْ بَيْتِكَ، أو يفاجئك وأنت على جَنَّةِ ثَمَرَةِ تجارتك، أو يفاجئك وأنت في سفرك.
وإذا متَّ إلى أين تذهب؟ تذهب إلى القبر.
لماذا قال: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} ؟ لأنَّ القَبْرَ مَنْزِلٌ مُؤَقَّتٌ.
لمَّا سَمِعَ الأَعْرَابِيُّ {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} قال: بُعِثَ القَوْمُ وربِّ الكعبة، فما من زائرٍ إلاَّ وَيَرْتَحِلُ.
دار البرزخ هي الفاصلُ بين دَارَيْنِ؛ فَهِيَ محطَّةُ انتظارٍ تنتقل منها إلى دار القرار.
يالها مِنْ رِحْلَةٍ! تَبْدَأُأوَّلًا، فينتقل الإنسانُ مِنْ ظَهْرِأَبِيهِ إلى بَطْنِ أُمِّهِ، ثمَّ يَنْتَقِلُ من بطن أُمِّهِ إلى ظهر الأرض، ومن ظهر الأرض إلى بطن الأرض، ومن بطن الأرض إلى يوم العَرْضِ، ثمَّ ينتقل منها إلى دار القرار؛ الجنَّة أو النَّار، وليس بَعْدَهَا رَحِيلٌ.
فَمَنْ لَمْ يَشْغَلْهُ تَكَاثُرُهُ عن الله والدَّار الآخرة ماذا يَحْصُلُ لهإذا نزل قَبْرَهُ؟ يكون رَوْضَةً من رياض الجِنَانِ، وَيُفْسَحُ له مَدَّ البصر.
حتَّى في الدُّنيا لا يرتاح الإنسانُ حتَّى يَمُدَّ بَصَرَهُ، وإذا نَزَلَ قَبْرَهُ، نُوِّرَ له فيه، والقبرُ لا بَابَ له، ولا نَافِذَةَ له، ولكن يُفْتَحُ له بابٌ إلى الجنَّة، فيأيتيَه من رَوْحِهَا، وريحانها، وطيبها.
وَمَنْ شَغَلَهُ تكاثرُه، ونسي الموتَ والبِلَى، وأقبل على زينة الحياة الدُّنيا، فإذا نَزَلَ قَبْرَهُ إذا به حُفْرَةٌ من حفر النِّيران، وانضمَّ عليه قَبْرُهُ، ويرى مكانَه في النَّار، ويرى عَمَلَهُوَظُلْمَهُ.
لمَّا وَعَدَ اللهُ مَنِ اشتغل بتكاثره عن اللهِ والدَّارِ الآخرةِ بأنَّ القَبْرَ مَوْعِدُهُ، وَتَوَعَّدَهُ بعذاب القَبْرِ، هَدَّدَهُ بعد ذلك.
قوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} : تأكيدٌلحصول العلم عن المعاينة ونزول الموت.
ومن تَأَمَّلَ حُسْنَ مَوْقِعِ «كلاَّ» في هذا الموضع، فهي كلمةُ رَدْعٍ؛ أَيْ: رَدْعًا لهم وزجرًا عن التَّكاثر، ونفيًا وإبطالًا لما يؤمِّلونه من نَفْعِ التَّكاثر، فتضمَّنت نَهْيًا وَنَفْيًا.
فهذا تهديدٌ من الله وَوَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ؛ أَيْ: حقًّا سوف تَعْلَمُونَ مغبَّة وعاقبةهذا التَّكاثر عند سكرة الموت حِينَ لا ينفع العلمُ.
فَأَخْبَرَأنَّهم لابدَّأَنْ يَعْلَمُوا عَاقِبَةَ تَكَاثُرِهِمْ، عِلْمًا بَعْدَ عِلْمٍ، وَرُؤْيَةً بعد رُؤْيَةٍ.
فإذا عاين عند الموت أنَّ تَكَاثُرَهَأَصْبَحَ هَبَاءً منثورًا، عَلِمَأنَّ دنياه وتكاثرَهُ سَبَبُ عذابه؛ فعذِّب بتكاثره في الدُّنيا، ثمَّ عُذِّبَ به في قَبْرِهِ، ثمَّ عُذِّبَ به يَوْمَ القِيَامَةِ.
هناك ثلاثة أُمُورٍ: