-الأوَّلُ: عَابِرُ سَبِيلٍ، وَمَحَلُّ زيارةٍ، ودار القرار. جَعَلَ اللهُ الدُّنيا دَارَ مَمَرٍّ، فنحن فيها عابرو سبيلٍ.
-والأمر الثَّاني: جُعِلَ مُكْثُنَا في القبور بمنزلة الزَّائرين؛ لأنَّ بين أيدينادَارَ القرار؛ فنحن فيها زائرون غير مستوطنين، بل نحن مستودَعون في المقابر مُدَّةً بَيْنَ يَدَيْ دار القرار.
-ثمَّ في المرحلة الثَّالثة: نحن منتقلون من محلِّ الزِّيارة إلى دار المستقرِّ؛ لِنَنْتَقِلَ الى دار القرار.
{ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} : تَأْكِيدٌ لحصول العلمعند دخول القبر؛ فسوف تعلمون مغبَّة هذا التَّكاثر إذا دخلتم القبورَ، وتعلمون مَآَلَكُمْ في الآَخِرَةِ.
{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} :أي سوف يتحقَّق له الوعيدُ في أرض المحشر وَقَبْلَهُ القَبْرُ، وَحَقُّ اليقين دخولُ النَّار، وكلُّها تَهْدِيدٌ، والمعنى: ماذا سيكون حالُكم لو كنتم تعلمون؟ لصار حالُكم غيرَ الحال الَّذي أنتم عليها.
لكن لمَّا فُقِدَ منكم علمُ اليقين، حَصَلَ منكم هذا التَّكاثر، وألهاكم عن الاستعداد؛ فإنَّ العِلْمَ بِقُبْحِ الشَّيْءِ لايكفي في تَرْكِهِ، كما قال حَسَّانٌ:
سِرْنَا وَسَارُوا إِلَى بَدْرٍ لِحَتْفِهِمُ *** لَوْ يعلمون عِلْمَ اليقين لَمَا سَارُوا
فإذاتَيَقَّنَ الإِنْسَانُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ، لكان تَرْكُهُ للشَّيْءِأَشَدَّ.
درجاتُ العلم ثلاثٌ: عِلْمُ اليَقِينِ؛ ما نعلمه من الكتاب والسُّنَّة من الخبر الصَّادق، والاعتماد على العلم الصَّحيح.
عَيْنُ اليقين: ما شاهدتَه ببصرك وبنفسك.
حقُّ اليقين: ما ذَاقَهُ وَلَمِسَهُ.
وبالمثال يتَّضح المقال؛ رَجُلٌ قيل له: «وراءَ هذا الجبل نَهْرٌ» هذا يُعَدُّ عِلْمًا.
ثمَّ صَعِدَ الجَبَلَ، فرأى النَّهْرَ يجري .. هذا عَيْنُ اليقين.
ثمَّ نَزَلَ من الجبل، وَشَرِبَ من النَّهْرِ .. فهذا حَقُّ اليقين.
الأَمْرُ ليس بالسَّهل، أَمَامَنَا أَهْوَالٌ عَظِيمَةٌ لا يعلمها إلاَّ اللهُ.
يقول نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» متفق عليه.
وَلَكِنْ نَتِيجَةُ ضَعْفِ الإيمان باليوم الآَخِرِ جُعِلَ الكَثِيرُ مِنَّا يَشْتَغِلُ بالدُّنيا، وَيَنْسَى الآخرة.
الجَمِيعُ يُؤْمِنُ بالمَوْتِ، كلُّ النَّاس، حتَّى الكفَّار، لكن المطلوبُ مِنَّا الإيمانُ بما بَعْدَ الموت.
فَمَا قَسَتِ القلوبُ إلاَّ لَمَّا غَفَلَ النَّاسُ عن الموت وَذِكْرِهِ.
وكم سَمِعْنَا وَسَمِعَ غَيْرُنَا من ينكر على من يتحدَّث عن الموت؛ لماذا تحدِّثوننا عن الموت؟ لأنَّهم لا يريدون ذكرَ الموت. والجَوَابُ عليهم: كُرْهُ ذِكْرِ الموت عقوبةٌ مِنَ الله له.
ففي الحديث عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ» ، قال قَائِلٌ: يا رسولَ الله! وما الوَهَنُ؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» رواه أبو داوود.
لكن عَدَمُ العلم الحقيقيُّ بالآخرة صَيَّرَكُمْ إلى مَا ترون.
قوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} :جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا صِلَةَ لها بما قبلها، وفيها قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، والتَّقْدِيرُ: واللهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ.
أَقْسَمَ اللهُأنَّ العِبَادَ سوف يرون النَّارَ بأبصارهم، ويشاهدونها يَوْمَ القيامة، النَّارَ الَّتي أَعَدَّهَا للكافرين؛ {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا} ، {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} .
قوله: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} : هذه هي الرُّؤْيَةُ الثَّانِيَةُ غيرُ الأولى؛ فَأَطْلَقَ الأُولَى، وَقَيَّدَ الثَّانِيَةَ بِعَيْنِ اليَقِينِ.
قوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} خَتَمَ السُّورَةَ بالإخبار المُؤَكَّدِ بواو القسم عن سؤال النَّعيم على تفسير أنَّ السُّورَةَ كلَّها خِطَابٌ للمشركينوتهديدٌ لهم، فيكون المعنى أنَّ الكفَّارَ لم يُؤَدُّوا حقَّ النَّعيم عليهم؛ حيث أشركوا بالله وعبدوا غَيْرَهُ كما في الأَثَرِ: «أَخْلُقُ وَيَعْبُدُونَ غَيْرِي وَأَرْزُقُ وَيَشْكُرُونَ غَيْرِي» سبق الحكم عليه.