فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 581

فاستحقُّوا أن يُسْأَلُوا عمَّا أَنْعَمَ اللهُ عليهم وكفرهم بالله، فيعذَّبون على تَرْكِ الشُّكْرِ بتوحيد المُنْعِمِ.

قال الحَسَنُ: «لايُسْأَلُ عَنِ النَّعِيمِإلاَّأَهْلُ النَّارِ» .

وقيل: «كُلُّأَحَدٍ يُسْأَلُ عن نَعِيمِهِ» .

فكلُّ أحدٍ يُسْأَلُ عن نعيمه الَّذي كان فيه في الدُّنياهل نَالَهُمِنْ حَلَالِهِأَمْ لا؟

فَيُسْأَلُأَوَّلًا عن سبب استخراجه، والثَّاني عن مَحَلِّ صَرْفِهِ.

فإذا تخلَّص من هذا السُّؤال سُئِلَ سؤالًاآَخَرَ: هَلْ شَكَرَ اللهَ فاستعان به على طاعته أم لا؟

«إِنَّأَوَّلَ مَا يُسْأَلُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ؟ وَنَرْوِيكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ» . رواه التِّرمذيُّ بإسناده عن أبي هريرة.

وعند مسلمٍ عن أبي هريرة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَلْقَى الرَّبُّ العَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرَكَ تَرْأَسُ وَتُرْبِعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: لَا. فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» .

والسُّؤَالُ عن النَّعيم سؤالٌ عن شكر العبد لما أنعم اللهُ به عليه، فإذا شَكَرَ، فَقَدْ أَدَّى حقَّ النِّعْمَةِ.

ومن لم يَشْكُرْ فَقَدْ كَفَرَ؛ «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» . رواه مسلمٌ.

وعند التِّرمذيِّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: «خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بِأَبي بكرٍ وَعُمَرَ فقال: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قالا: الجوعُ يا رسولَ الله. قال: «وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا» . فقاموا معه.

فأَتى رجلًا من الْأَنْصارِ فإذا هو ليس فِي بيتِه، فلمَّا رَأَتْهُ المرأةُ قَالت: مرحبًا وأَهلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ فُلَانٌ؟» قالت: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لنا من المَاءِ.

إِذْ جاء الْأنصارِيُّ فَنَظَرَ إلى رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَصَاحِبَيْهِ ثمَّ قال: الْحَمْدُ لله، ما أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمُ أَضيافًا منِّي.

قال: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بعذقٍ فيه بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرَطْبٌ فقال: «كُلُوا مِنْ هَذِهِ» .

وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكَ وَالحَلُوبَ» . فَذَبَحَ لهم، فأكلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ العِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» .

ولنا وَقْفَةٌ مع النِّعَمِ .. نحن نعيش ونتقلَّب في نِعَمٍ عظيمةٍ لاتُعَدُّ ولا تُحْصَى.

فَأَعْظَمُ نِعَمِ الدُّنيا يا ترى ما هي؟ كثيرٌ من النَّاس يغفل عنها.

أَلَا وَهِيَ الأَمْنُ في الأوطان، والصِّحَّةُ في الأبدان، وإذا فقدهما النَّاسُ فلا قِيمَةَ للحياة، وَيَتَنَغَّصُ عليه العَيْشُ، وَيُتَمَنَّى الموتُ، كما في حديث «حَتَّى يَمُرَّالرَّجُلُ على القَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِوَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَاالقَبْرِ،وَلَيْسَ بِهِالدينإِلاَّالبَلَاءُ» رواه مسلم و غيره.

وهاتان النِّعمتان لا تتحقَّقان إلاَّ بالإيمان والعمل الصَّالح؛ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} .

قَبْلَ بَعْثَةِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - كان النَّاسُ في جَاهِلِيَّةٍ جهلاءَ، وكان السَّلْبُ والقتلُ والخوفُ، فَذَكَّرَ اللهُ الصَّحَابَةَ لمَّا تحقَّق لهم الأَمْنُ بالمدينة وذكَّرهم بحالهم بمكَّة؛ {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} .

وَتَحَقَّقَ وَعْدُ الله؛ {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ... } .

فَلَوْ مَلَكْتَ الدُّنيا كلَّها وأنت خائفٌ على نفسك، أو عِرْضِكَ، أو مَالِكَ، لَتَنَغَّصَتْ عَلَيْكَ الحَيَاةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت