فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 581

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً} : لمَّا ضُرِبَ المقتولُ بِبَعْضِ البَقَرَةِ، جَلَسَ، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني. ثمَّ قُبِضَ، فقال بَنُو أَخِيهِ حِينَ قَبَضَهُ اللهُ: واللهِ ما قتلناه، فكذَّبوا بالحقِّ بعد أن رَأَوْهُ، فقال الله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} .

فصارت قُلُوبُ بني إسرائيلَ مع طُولِ الأَمَدِ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عن الموعظة، بعدما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة الَّتي لا عِلاجَ لِلِينِهَا، أو أَشَدُّ قَسْوَةً من الحجارة؛ فإنَّ من الحجارة ما يتفجَّر منه العيون والأنهار الجارية، ومنها ما يَشَّقَّقُ فيخرج منه الماء، وإن لم يكن جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خَشْيَةِ الله.

-الفوائد والعِبَرُ والعظاتُ:

1 -يُذَكِّرُ اللهُ - تعالى - بني إسرائيل بِنِعَمِهِ عليهم في خَرْقِ العادة لهم في شأن البقرة، وبيان القاتل بمعجزةٍ خارقةٍ للعادة.

2 -إحياءُ الله المقتول، ونصُّه على من قَتَلَهُ منهم.

3 -تَعَنُّتُ هؤلاء القوم مع أنبيائهم في سؤالهم عن البقرة وأوصافها.

4 -سوءُأَدَبِ بنيإسرائيل مع ربِّهم ومع نبيِّهم موسى، وكثرةُ تَعَنُّتِهِمْ وعدمُ الاستجابة.

5 -جعل الله تعنُّتَهم والأحداث تَصُبُّ في صالح الابْنِ البَارِّ وساقهم إلى رؤية بقرته، وكذلك البِرُّ له بَرَكَاتٌ على صاحبه.

6 -لِمَ أَمَرَ اللهُ بَنِي إسرائيل أن يذبحوا بقرةً دونَ غيرها من الحيوانات؟

قال الماورديُّ: «وإنَّما أَمَرَ بذبح البقرة دُونَ غَيْرِهَا؛ لأنَّها من جِنْسِ ما عبدوه من العجل؛ ليهوِّن عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وَلِيَعْلَمَ بإجابتهم زَوَالَ ما كان في نفوسهم من عِبَادَتِهِ.

7 -من المعلوم أنَّ اليهودَ لديهم صِفَةَ البخل والشُّحِّ. وهذه الصِّفَةُ غالبةٌ على طبائعهم إلى يومنا هذا.

وفي زمن موسى - عليه السَّلامُ - كانت الأَبْقَارُ من أنفس الأموال، وَأَفْضَلِهَا عندهم، فيتباهون بما لديهم من أبقارٍ، فهم أصحابُ بَقَرٍ، وليسوا أصحابَ مَاشِيَةٍ أَوْ إِبِلٍ مثلَ أهل البادية.

ولذلك فإنَّ الله- تعالى - طَلَبَ منهم أن يذبحوا بقرةً؛ لعلمه -سبحانه - أنَّهم بُخَلاءُ، وسوف يتردَّدون في ذَبْحِهَا؛ لأنَّها مِنْ أَنْفَسِ أموالهم، لكنهم شدَّدوا في أوصافها؛ ظنًّا منهم أنَّ موسى - عليه السَّلامُ - سوف يَصْرِفُ النَّظَرَ عن ذبح البقرة إلى ما هو أهون وأقلُّ تَكْلُفَةً، لكن الله- تعالى - أراد أن يعاقبَهم على تردُّدهم في طاعة الأمر، فأعطى- سبحانه - أَوْصَافًا لِبَقَرَةٍ معيَّنةٍ هي أكثرُ تَكْلُفَةً من أيِّ بَقَرَةٍ أخرى. وهكذا كان.

فذبحوها وما كادوا يفعلون؛ لِبُخْلِهِمْ وَشُحِّهِمْ على أنفسهم.

قد ذكر اللهُ - تعالى - موسى - عليه السَّلامُ - في القرآن كثيرًا، وأثنى عليه، وأورد قصَّته في كتابه العزيز مرارًا، وكرَّرها كثيرًا، مطوَّلةً ومبسوطةً ومختصرةً، وأثنى عليه بليغًا وكثيرًا.

فأثنى اللهُ على الكتابين، وعلى الرَّسولين - عليهما السَّلام - وقالت الجنُّ لقومهم: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} .

موسى - عليه السَّلامُ - من الخمسة أُولِي العزم من الرُّسُلِ، أكرمه اللهُ بالرِّسالة وبالكلام، وأثنى عليه بأنَّه مخلصٌ ووجيهٌ.

فَمِنْ وَجَاهَتِهِ أنَّه شَفَعَ في أخيه عند الله، وَطَلَبَ منه أن يكون معه وزيرًا، فأجابه اللهُ إلى سؤاله، وأعطاه طَلَبَهُ، وجعله نبيًّا، وقرَّبه نجيًّا، وَصَنَعَهُ اللهُ على عينه، وألقى عليه محبَّة منه، وَوَصَفَتْهُ المرأةُ بأنَّهُ قَوِيٌّأمِينٌ.

ثبت عن البخاريِّ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: أنَّ موسى كان رجلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرِي جِلْدَهُ شَيْئًا استحياءً منه، فَآَذَاهُ من آَذَاهُ مِنْ بني إسرائيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت