أَرْسَلَ اللهُإليهم نبيَّه لوطًا - عليه السلام - وكانوا يسكنون قَرْيَةَ سَدُومٍ مِنَ الأُرْدُنِ، وكانت أمَّ تلك القرى، وعددُها سَبْعُ قُرًى يزيد سكَّانُهَا على أَرْبَعِ مِئَةِأَلْفٍ، وكانوا أَكْفَرَ النَّاس، وأَفْجَرَهُمْ، وَأَسْوَأَهُمْ طَوِيَّةً، وأخبثَهم سريرةً، كَفَرَةً وَفَجَرَةً.
فَمَعَ كفرِهم كانوا يرتكبون جريمةً مِنْأَقْبَحِ الجَرَائِمِ؛ أَلَا وَهِيَإِتْيَانُ الذُّكور، وكانوا يقطعون السَّبيلَ، ويأتون في ناديهم المُنْكَرَ من السُّخريةِ بالمارَّةِ، والخذفِ، والتَّحريشِ بين البهائم، وَنَبْذِ الحياء، ويقطعون الطَّريق، ويَخُونُونَ الرَّفِيقَ.
ويأتون في ناديهم المنكر، وهو مجتمعُهم ومحلُّ حديثهم وسَمَرِهِمْ، المُنْكَرَ من الأقوال والأفعال، على اختلاف أصنافه.
وسبب وقوعهم في الفاحشة سببان:
(1) - كانوا يَطَأُونَ النِّساء في أدبارهنَّ، ثمَّ انتقلوا إلى أدبار الرِّجال.
(2) - بُخْلُهُمْ وحِرْصُهُمْ على الدُّنْيَا، فكانت لهم بَسَاتِينُ وأشجار لها أغصانٌ تتدلَّى بالطُّرُقَاتِ، فاتَّفقوا على جعل سُنَّةٍ أنَّ مَنِ اجتاز بديارنا أَنْ نَفْعَلَ به الفاحشة، وغرَّمناه أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ.
والمقصودُ أنَّ لوطًا - عليه السَّلامُ - لمَّا دعاهم إلى عبادة الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، ونهاهم عن تَعَاطِي ما ذَكَرَ اللهُ عنهم من الفواحش، لم يستجيبوا له، ولم يؤمنوا به.
وتعد دَعْوَةُ لُوطٍ لهؤلاء القوم من أَصْعَبِ المهمَّات؛ لأنَّ الغريزةَ إذا تمكَّنت من النَّفس من الصُّعوبة التَّخلِّي عنها.
فلمَّا صمَّموا على الكفر والفجور، وهمُّوا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم، واستضعفوه، وسخروا منه، وقالوا له فيما قالوا: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فطلبوا منه وقوع ما حذَّرهم عنه من العذاب الأليم وحلول البأس العظيم.
فعند ذلك دعا عليهم نبيُّهم الكريم، فسأل من ربِّ العالمين وَإِلَهِ المرسلين أن يَنْصُرَهُ على القوم المفسدين.
فأرسل اللهُ إليهم نَفَرًا من الملائكة في صُورَةِ رِجَالٍ هَيْئَتُهُمْ حَسَنَةٌ، فمرُّوا على إبراهيم، فظنَّ إبراهيمُ أنَّهم بَشَرٌ، فقام على الفَوْرِ، وَذَبَحَ لهم عجلًا سمينًا، لكنَّهم لم يأكلوا منه.
وبشَّروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثمَّ أَخْبَرَتْهُ الملائكةُ أنَّهم ذاهبون إلى قَرْيَةِ سَدُومٍ لتعذيب أهلها، وعقابهم على كفرهم ومعاصيهم، فأخبرهم إبراهيمُ بوجود لوطٍ في هذه القرية، فقالوا: {نَحْنُ أَعْلَمُ بمن فيها، لننجِّينَّه وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَاَتَه} .
وخرجت الملائكةُ من عند إبراهيم، وتوجَّهوا إلى قرية سدومٍ، فوصلوا إلى بيت لوطٍ، وكانوا في صورة شبَّانٍ حِسَانٍ، فلمَّا رآهم لوطٌ، خاف عليهم، فقال لهم فيما قال: واللهِ يا هؤلاء ما أَعْلَمُ على وَجْهِ الأرض أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ من هؤلاء.
ثمَّ مَشَى قليلًا ثمَّ أعاد ذلك عليهم، حتَّى كرَّره أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. قال: وكانوا قد أُمِرُوا أن لا يهلكوهم حتَّى يشهد عليهم نبيُّهم بذلك.
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكةُ أن يَسْمَعُوهُ منه من قبل أن يسألوه عنه، ولم يعلم أحدٌ بقدومهم إلاَّ آَلَ لوطٍ، فخرجت امرأتُه وأخبرت قومها، فجاءوا يُهْرَعُونَ إليه، فأغلق لوطٌ بابَه دُونَهُمْ، وناظرهم وناشدهم وذكَّرهم بأنَّ الله خلق النِّساءَ؛ لقضاء شهوة الرِّجال؛ فهنَّ أزكى لهم وأطيب.
ولكنَّ قَوْمَ لُوطٍ أَصَرُّوا على الدُّخول، ولم يجد لُوطٌ من بينهم رجلًا عاقلًا يبيِّن لهم ما هم فيه من الخَطَأِ، وَأَحَسَّ لُوطٌ بِضَعْفِهِ أَمَامَ هؤلاء القوم، فقال: {وْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}