قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} .
قال ابنُ كَثِير: «عَالِمُ الغيب والشَّهادة؛ أي: يعلم كلَّ شيءٍ ممَّا يشاهده العبادُ، وممَّا يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيءٌ؛ فَعِلْمُ الله تامٌّ وكاملٌ ومحيطٌ بكلِّ شَيْءٍ، ولم يَسْبِقْهُ جَهْلٌ، ولا يَلْحَقُهُ نِسْيَانٌ» .
قوله: {الْعَزِيزُ} .
مِنَ العِزَّةِ؛ وهي القوَّة، والغَلَبَةُ، والقهرُ؛ فالعزَّةُ تقتضي كمالَ القدرة؛ فهو القويُّ الَّذي لا يُغْلَبُ.
وله ثَلاثُ مَعَانٍ سَبَقَ ذِكْرُهَا في سورة الحديد؛ عِزَّةُ القَهْرِ والجَنَابِ والكِبْرِيَاءِ.
قوله: {الْحَكِيمُ} أي: في أقواله، وأفعاله، وَخَلْقِهِ وأَمْرِهِ.
وله ثلاثُ مَعَانٍ سبق ذِكْرُهَا في سورة الحديد؛ وهي حَكَمٌ، ومُحَكَّمٌ، وحِكْمَةٌ.
والمقصود: أنَّ الحكمةَ الشَّاملةَ البالغةَ لله في خَلْقِهِ وأَمْرِهِ، ولا يخرج عن مَقْدُورِهِ شَيْءٌ لكمال عِزَّتِهِ، ولا يخرج عن عِلْمِهِ شَيْءٌ لِكَمَالِ عِلْمِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ يجب علينا أن نؤمن بِخَلْقِ الله وَأَمْرِهِ وَبِقُدْرَتِهِ وشَرْعِهِ وأنَّه المحمودُ على خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ والكلُّ تحت مَشِيئَتِهِ ومُلْكِهِ.
فانْتَظَمَ أوَّلُ السُّورَةُ وآخرُها وأنَّه إِلَهُ الخَلْقِ، وله المُلْكُ، والحمدُ، والقدرةُ التَّامَّةُ والكاملةُ.
المحتويات
سورة الطَّلاق: سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ اللهَ ذَكَرَ فيها أَحْكَامَ الطَّلاق والمطلَّقات؛ مالَهُنَّ وما عليهنَّ، وذكر حدودَه وما يترتَّب عليه.
وقد سمَّاها عبدُ الله بن مسعودٍ بسورة النِّساء الصغْرَى، أمَّا سورة النِّساء الكُبْرَى فهي الَّتي بعد سورة آل عمران.
وهذه السُّورةُ العظيمةُ الجليلةُ تتحدَّث عن عدَّة أمورٍ:
-أوَّلًا: تحدَّثت السُّورةُ عن الطَّلاق وكيفيَّته وما يترتَّب عليه من العِدَّةِ، والنَّفقة، والسُّكْنَى، وأجر المُرْضَعِ، والإشهاد على الرَّجْعَةِ.
ثمَّ أَمَرَ اللهُإِحْصَاءَ العِدَّةِ؛ لأنَّ ذَلِكَ يتعلَّق به حقوقٌ؛ لئلاَّ تَخْتَلِطَ الأَنْسَابُ، واحترامًا للزَّوج الأوَّل، وألاَّ يطول الأَمَدُ على المُطَلَّقَةِ.
وَتَنَاوَلَتِ السُّورةُأيضًا أَحْكَامَ العِدَّةِ وأَنْوَاعَهَا، ثمَّ تكرَّرت الدَّعْوَةُ إلى «تَقْوَى اللهِ» بالتَّرغيب تارةً، وبالتَّرهيب أخرى؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ التَّقْوَى سَبَبًا لكلِّ يُسْرٍ، وَتَرْكَ التَّقوى سببًا لكلِّ عُسْرٍ؛ لئلاَّ يَقَعَ حَيْفٌ أو ظُلْمٌ من أحد الزَّوجين.
ثمَّ تناولت السُّورةُ التَّحذيرَ مِنْ تَعَدِّي حدود الله، وَضَرْبَ الأَمْثِلَةِ بالأمم الباغية الَّتي عَتَتْ عَنْ أَمْرِ ربِّها.
وَخَتَمَ اللهُ السُّورةَ مُخْبِرًا عن قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وإحاطة عِلْمِهِ وسُلْطَانِهِ العظيم؛ ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من الدِّين القويم.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} الخِطَابُ مُوَجَّهٌ للنَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأمَّتِهِ تَبَعًا له.
ووُجِّهَ للنَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من باب التَّشريف والتَّكريم؛ لأنَّه هو القُدْوَةُ للأمَّة.
أمَّا طلاقُ النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِحَفْصَةَ، فقد طلَّقها ثمَّ عاتبه ربُّه عتابًا رقيقًا، وأمره بمراجعتها، وأثنى عليها باجتهادها في العبادة، وأخبره الله - عزَّ وجلَّ - أنَّها زوجتُه في الجنَّة.
عن عقبة، قال: طلَّق رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حَفْصَةَ، فَبَلَغَ ذلك عُمَرَ، فحثا على رأسه التُّراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته.