فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 581

وفي ذلك يقول عمرُ بْنِ الخطَّاب رضي الله عنه: «إنَّ الأعمالَ تَتَبَاهَى، فتقول الصَّدَقَةُ: أَنَا أَفْضَلُكُمْ» .

قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} .

أي: ذُنُوبَكُمْ. بسبب الصَّدقة، وإذا كان الله ـ سبحانه ـ قد غَفَرَ لمن سقى كلبًا على شدَّة ظَمَأِهِ، فكيف بِمَنْ سَقَى العِطَاشَ، وَأَشْبَعَ الجِيَاعَ، وَكَسَا العُرَاةَ مِنَ المسلمين؟

ولاستفاضة النُّصوص في كون الصَّدقة مكفِّرةً للذُّنوب وماحيةً للخطايا.

قوله: {وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} .

الشَّكُورُ أَيِ: الشَّكورَ لِمَنْأَنْفَقَ وأطاع اللهَ.

اللهُأولى بصفة الشَّكور من كلِّ شكورٍ؛ بل هو الشَّكورُ على الحقيقة؛ فإنَّه يُعْطِي العَبْدَ وَيُوَفِّقُهُ لِمَا يَشْكُرُهُ عَلَيْهِ، وَيَشْكُرُ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ، وَيَشْكُرُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِأمثالها، وَيَشْكُرُ عَبْدَهُ بقوله؛ بِأَنْ يُثْنِيَ عليه بَيْنَ مَلَائِكتِهِ.

وإذا بَذَلَ شَيْئًا، ردَّه عليه أضعافًا، وإذا تَرَكَ شَيْئًا لله، عَوَّضَهُ خيرًا منه.

ولمَّا عَقَرَ سليمانُ الخيلَ غَضَبًا لله، أعاضه الرِّيحَ، ولمَّا ترك الصَّحَابَةُ دِيَارَهُمْ، أعاضهم ملكَ الدُّنيا، وَفَتَحَهَا عليهم.

ولمَّا تحمَّل يُوسُفُ السِّجْنَ، مُكِّنَ له في الأرض، ولمَّا بذل الشُّهداءُأرواحَهم، أعاضهم طيرًا خُضْرًا تَرِدُ الجنَّة.

ولمَّا بَذَلَ الرُّسُلُ الصَّبْرَ علاأعراضهم في سبيل الله، أعاضهم لسانًا عَلِيًّا.

اللهُ يَشْكُرُ العَبْدَ على إحسانه لنفسه، والخلقُ يَشْكُرونَ من أَحْسَنَ إليهم، واللهُأَعْطَى العَبْدَ ما يُحْسِنُ به إلى نَفْسِهِ، وشُكْرُهُ على قليله بأضعافٍ كثيرةٍ.

فاللهُ - تعالى - المُحْسِنُ بِإِعْطَاءِ الإحسانِ، وإعطاء الشُّكْرِ؛ فالشَّكُورُ لا يُضِيعُأَجْرَ مُحْسِنٍ، ولا يُعَذِّبُ غَيْرَ مُسِيءٍ.

وَمِنْ شُكْرِ الله يَخْرُجُ العَبْدُ من النَّار بأدنى مِثْقَالٍ مِنْ ذَرَّةٍ من خَيْرٍ، ولا يضيع عليه هذا القَدْرُ.

وَمِنْ شُكْرِهِ أنَّ من قام مقامًا محمودًا يرضيه بين النَّاس، شَكَرَ اللهُ لَهُ، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ وَبَيْنَ ملائكته.

شَكَرَ - سبحانه- مُؤْمِنَآَلِ فِرْعَوْنَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَقَامِهِ، وَشَكَرَ لصاحب يس مقامَه وَدَعْوَتَهُإليه.

فلا يَهْلِكُ عليه- تعالى - بين شُكْرِهِ ومغفرته إلاَّ هَالِكٌ؛ فاللهُ يَغْفِرُ الكَثِيرَ، وَيَشْكُرُ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ.

قوله: {حَلِيمٌ} .

أي: الحَلِيمَ المَوْصُوفَ بِالحِلْمِ، والتَّجَاوُزِ، والصَّفْحِ الَّذي لا يُعَاجِلُ عِبَادَهُ بالعقوبة إذا عَصُوهُ؛ فهو حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ، وَشَكُورٌ يَشْكُرُ القَلِيلَ، وَيَعْفُو عن الذَّنْبِ العَظِيمِ.

من صفات الرَّبِّ الذَّاتيَّة الحِلْمُ، وهو أَوْسَعُ من الصَّبْرِ؛ لأنَّ الصَّبْرَ ثَمَرَةُ الحِلْمِ.

وَجَاءَ اسْمُهُ الحَلِيمُ في القرآن في أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ.

وَلِسَعَةِ حِلْمِهِ - سبحانه - يُقْرِنُهُ بالعلم؛ لأنَّ المَخْلُوقَ يَحْلِمُ عن جَهْلٍ، وَيَعْفُو عَنْ عَجْزٍ، والرَّبُّ يَحْلِمُ مَعَ كَمَالِ عِلْمِهِ، وَيَعْفُو مع تَمَامِ قُدْرَتِهِ.

وما أُضِيفَ شَيْءٌ إلى شَيْءٍأَزْيَنَ مِنْ حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، وَمِنْ عَفْوٍ إلى اقْتِدَارٍ.

وَلِذَلِكَ في الأَثَرِ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ اثْنَانِ يَقُولانِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، واثنان يقولان: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك لك الحمد على عَفْوِكَ بعد قدرتك» .

وفي دعاء الكرب وَصْفُهُ بالحِلْمِ مع العظمة: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمُ» .

كَتَبَ سَلْمَانُ إلى أبي الدَّرداء: «ليس الخَيْرُ أن يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، ولكن الخير أن يكثر علمُك وَيَعْظُمَ حِلْمُكَ، وأن تُبَارِيَ النَّاسَ في عبادة الله؛ فَإِنْأَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللهَ، وَإِنْأَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت