فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 581

أَمَّنَهُمْ - سبحانه - مِنَ الخَوْفِ، فَكَانُوا يذهبون إلى أَطْرَافِ الجَزِيرَةِآَمِنِينَ، وَغَيْرُهُمْ غَيْرُآَمِنٍ.

فَجَعَلَ اللهُ لِهَذَا البيت ما جَعَلَ من الأَمْنِ وَرَغَدِ العيش.

والسَّبَبُأنَّ الإِنْسَانَ إذا خَافَ لَمْ يتلذَّذ بنعمةٍ؛ لا طَعَامٍ، ولا شَرَابٍ، ولا بَيْتٍ، ولا رَاحَةٍ. وَإِذَا أَمِنَ فَأَشَدُّ ما يكون عليه مُصِيبَةُ الجُوعِ.

-خِتَامًا: لمَّا قرَّر اللهُإنعامَه على قريشٍ في سورة الفيل بدفع الضَّرر عنهم، قرَّر بعدها في سورة قريشٍ بَعْضَإنعامِه عليهم، وأنَّه يجب أن يُقَابَلَ بالشُّكْرِ والعُبُودِيَّةِ.

فَرَبَطَ بين النِّعْمَةِ وَمُوجِبِهَا؛ فَمَنْ خَلَقَ وَرَزَقَ وَتَفَضَّلَ علينا بِنِعَمِهِ العظيمة هو من يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ.

تَصَوَّرْ لَوْأنَّإِنْسَانًا ينفق عليك، وكلَّما طَالَبْتَهُأعطاك، وَآَخَرَ لا ينفق عليك، وكلَّما طَالَبْتَهُ لا يُعْطِيكَ شَيْئًا، من يستحقُّ الطَّاعة؟

البَشَرُ تركوا عبادةَ الله، وعبدوا من لا يخلق، ولا يرزق، ولا يغني عنهم شيئًا، وَمَنْ هذه صفاتُه لا يستحقُّ العبادةَ، واللهُ وَحْدَهُ المُتَفَرِّدُ بالخَلْقِ والرِّزْقِ، وهو من يستحقُّ العبادةَ.

سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّه وَرَدَ فِيهَا ذِكْرُ الماعون، وهو مَنْعُإِعَارَةِ القِدْرِ، والدَّلْو، ِ والفأسِ، وَنَحْوِهَا.

وهذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمة يعتاد قراءتَها الكثيرُ ممَّن يتأخَّر عن الصَّلاة، وكأنَّها شَاهِدَةٌ عليهم.

وهي تتحدَّث عن سِتَّةِ جَرَائِمَ، فَتَرْجِعَ في محصِّلَتِهَا إلى فَرِيقَيْنِ من البَشَرِ، وهما الكافر المكذِّب بيوم الحساب وبالجزاء، والفريقُ الآَخَرُ الَّذي يُؤَدِّي الصَّلاةَ شَكْلًا وصورةً، لا حَقِيقَةً، ولا يدرون ماذا يفعلون؛ فَسَهُوا عن وَقْتِهَا وإخلاصِهَا والخشوع، وَمَنْعُ الخيرِ عن الآخرين.

قوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} :الخطابُ هنا للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأمَّتُهُ تَبَعٌ له، والرُّؤْيَةُ بمعنى العلم؛ أَيْ: عَلِمْتَ.

والمرادُ: التَّعَجُّبُ مِنْ حَالِ مَنِ اتَّصَفَ بهذه الصِّفات وهذه الجرائم.

-الجريمةُ الأولى: التَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الدِّين: والمرادُ به يَوْمُ القيامة، ولا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، والنَّاسُ في يوم القيامة بَيْنَ مُنْكِرٍ لوقوعه، ولا يؤمن به.

-والصِّنْفُ الثَّاني: يُؤْمِنُ بيوم القيامة، ولكن لا يستعدُّ له بالأعمال الصَّالحة؛ فَيَجْتَنِبَ المحرَّمات ويؤدِّيَ الفرائضَ، فلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بما نَسُوا يَوْمَ الحساب.

ويترتَّب على التَّكذيب بيوم القيامة الجَرَاءَةُ على هذه الجرائم، وتتمرَّد جوارحُه على طاعة الله.

-الجريمة الثَّانية: من قوله تعالى: {فَذَلِكَ الْذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} :الدَّعُّ: هو الدَّفْعُ بِعُنْفٍ؛ فَيَدْفَعَهُ بِعُنْفٍ، وَيَتَعَامَلَ مَعَهُ بِقَسْوَةٍ؛ فَيُسِيءَ إلى اليتيم، فَيَدْفَعَهُ بعنفٍ وقسوةٍ.

وَمِنْ هنا بَيَّنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَوْعَيْنِ من الضُّعفاء، وَحَذَّرَ من التَّعرُّض لهما، وَبَيَّنَ عِظَمَ الإثم فيها: «اللهمإِنِّي أُحَرِّجُ عَلَى حَقِّ الضَّعِيفَيْنِ؛ المَرْأَةِ وَاليَتِيمِ» رواه أحمد و النسائي و ابن ماجة بإسناد جيد. أَيْأُنَبِّهُ على عَظِيمِ الإِثْمِ والحَرَجِ.

المرأَةُ سَوَاءٌ كانت بِنْتًا، أَوْأُخْتًا، أَوْأُمًّا، أو زَوْجَةً.

فمن سَلِمَ من حقوق الضُّعفاء، سَلِمَ له دينُه.

بَعْضُ النَّاس تُذَكِّرُهُ بالآَخِرَةِ، وَتُخَوِّفُهُ بِاللهِ، فَكَأَنَّكَ لا تَذْكُرُ له شيئًا، فَخَلِّهِمْ؛ فَحِسَابُهُمْ عَسِيرٌ؛ «ثَلَاثَةٌأَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ فَقَدْ خَصَمْتُهُ» رواه أحمد و ابن ماجه و أصله عند البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت