فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 581

ويأتي الإيلافُ بمعنى الاعْتِيَادِ .. والمعنى أنَّ هذا الإيلافَ الَّذي أَلِفْتُمُوهُ، وَاعْتَدْتُمُوهُ، وَآَمَنْتُمْ به، وَكَسَبْتُمْ به المَكَاسِبَ العَظِيمَةَ من الرِّحلة في الشِّتاء، فيتَّجهون نَحْوَ اليمن للمحصولات الزِّراعيَّة فيه، وأمَّا في الصَّيف فيتَّجهون إلى الشَّام؛ لأنَّ غَالِبَ تِجَارَةِ الفَوَاكِهِ وَغَيْرِهَا ذلك، ولأنَّ الجَوَّ مُنَاسِبٌ في الصَّيف إلى الشَّام.

قوله: {رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} : مَكَّةُ بَلَدٌ غَيْرُ زِرَاعِيٍّ؛ فَعَيْشُأَهْلِهَا كان صَعْبًا، فَلَمَّا تَرَأَّسَ عَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ كان أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشٍ: رِحْلَتَيِ الشِّتاء والصَّيف إلى مِتْجَرَيِ اليَمَنِ والشَّام؛ حَيْثُ كَانُوا يسافرون للتِّجارة، ويأتون بالأطعمة والثِّياب، ويربحون في الذَّهَابِ والإياب، وهم آَمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ، لا يتعرَّض لهم أَحَدٌ بِسُوءٍ؛ لأنَّ النَّاسَ كانوا يقولون: هؤلاء جِيرَانُ بَيْتِ الله، وَسُكَّانُ حَرَمِهِ؛ لأنَّه لمَّا أَهْلَكَ اللهُأَبْرَهَةَ، زَادَ احْتِرَامُ النَّاس لأهل الحَرَمِ.

لمَّا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، أَرْشَدَهُمْ إلى شُكْرِ نِعَمِهِ فقال.

قوله: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} :فَلْيُوَحِّدُوهُ بالعبادة، كما جَعَلَ لهم حَرَمًا آَمِنًا، وَبَيْتًا مُحَرَّمًا.

قوله: {رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} كرامتكم عند النَّاس بسبب هذا البيت، وَأَمْنُكُمْ بِسَبَبِ هذا البيت، وطعامُكم بسبب هذا البيت، حَيْثُ هَيَّأَ اللهُ لكم هَاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ بسبب هذا البيت.

-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ: قال الشَّيْخُ ابنُ عثيمين - رحمه الله: «يُذْكَرُ أنَّ الشَّيخَ مُحَمَّدَ بْنِ عبد الوهَّاب - رحمه الله - حِينَمَا سَافَرَ إلى مَكَّةَ رَأَى عالمًا من علمائها على كُرْسِيٍّ يحدِّث النَّاسَ، فَأَعْجَبَهُ حَدِيثُهُ، وَأُعْجِبَ به، فلمَّا أراد أن يقوم الشَّيْخُ من الكرسيِّ قَالَ: يا كَعْبَةَ الله! فَأَشْرَكَ! أَشْرَكَ وهو لايَدْرِي.

وكان - رَحِمَهُ اللهُ - ذكيًّا - يعني الشَّيخُ محمَّدُ بْنِ عبد الوهَّاب - فلمَّا انتهى الدَّرْسُ قالالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ: «أنا أَعْجَبَنِي كلامُك جزاك الله خيرًا وكلامُك طَيِّبٌ وعالمٌ، وأنا أريد أن أقرأ عليك من القرآن شَيْئًا» .

قال: «تَفَضَّلْ يا ابني» . فَقَرَأَ مِنْ آَخِرِ القرآن: «قل أعوذ بربِّ النَّاس، قل أعوذ بربِّ الفلق، قل هو الله أحد، تبَّت، الكافرون، النَّصر، الكوثر، الماعون، لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ» ،وَوَصَلَ إلى «لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ» قال: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا ... الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} .

قال: فليعبدوا البيت؟! - الشَّيخ - شلون «يعبدوا البيت» ؟! ‍!

-الشَّيخ محمَّد: هكذا أنا أتعلَّم عليك.

-الشَّيخ: لا يمكن؛ لو عبدوا البيت، لأشركوا، واللهُ ما يَأْمُرُ بالشِّرْكِ.

فقال الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ: إِيشِ الصَّوَابُ؟

-الشَّيْخُ قَالَ: «الصَّوَابُ: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} » .

يقول الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ: الله يجزيك خيرًا ويفتح عليك، طيِّب {وقال ربكم} ؟

-يقول الشَّيخ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، ولا أدعو الكعبة أو البيت.

-قالالشَّيْخُ: «لا أَدْعُوهُ هو، ما هناك أَحَدٌ يُدْعَى إلاَّ اللهُ.

-قالالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ: «أنا سَمِعْتُكَ يا شيخُ لمَّا أردتَ أن تَقُومَ مِنَ الكُرْسِيِّ قُلْتَ يا كَعْبَةَ اللهِ. قال الشَّيْخُ: اللهُ يَفْتَحُ عَلَيْكَ يا وَلَدِي. ثمَّ شَكَرَهُ وقال له: جزاك اللهُ خيرًا.

قوله: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} :كانوا جِيَاعًا، فتفضَّل اللهُ عليهم بالإطعام؛ فقد كانوا قَبْلَ الابتداء بالرِّحْلَتَيْنِ فُقَرَاءَ؛ فَهُمْ في بَلَدٍ لا زَرَعَ فيه ولا ضَرْعَ، ولكن ببركة هاتين الرِّحْلَتَيْنِ وَبِبَرَكَةِ دَعْوَةِإبراهيم حصل لهم رَغَدُ العيش.

قوله: {وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} : أي: تَفَضَّلَ عليهم بالأَمْنِ؛ فَمَنِ اسْتَجَابَ لله وَرَسُولِهِ، جَمَعَ اللهُ لَهُ بَيْنَ أَمْنِ الدُّنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه، سَلَبَهُمَا منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت